د. خالد الوزني يكتب : الذكاء الاصطناعي والإنتاجية
بقلم: أ.د. خالد واصف الوزني
أستاذ الاقتصاد والسياسات العامة
كلية محمد بن راشد للإدارة الحكومية
يمثِّل الذكاء الاصطناعي أحد أهم المحركات الحديثة لتحسين الإنتاجية عبر القطاعات الاقتصادية، غير أنَّ تأثيره لا يتوزَّع بشكلٍ متساوٍ بين القطاعات الخدمية والسلعية، بل يختلف وفق طبيعة العمليات الإنتاجية وكثافة البيانات. ففي القطاعات الخدمية التي تعتمد بدرجة كبيرة على المعلومات والتفاعل مع المتعاملين، من قِبَل الخدمات الحكومية والخدمات المالية والتجارة الإلكترونية والرعاية الصحية، يظهر أثر الذكاء الاصطناعي بصورة أكثر وضوحاً وتسارعاً. فقد أسهمت تقنيات التعلُّم الآلي وتحليل البيانات الضخمة في تحسين جودة الخدمات وتميُّزها، وتسريع عمليات اتخاذ القرار، ما أدّى إلى زيادة الكفاءة التشغيلية وتعظيم القيمة المقدَّمة للمستهلك. وتشير الدراسات المتخصصة باستخدامات الذكاء الاصطناعي في القطاع الخدمي إلى أنَّ الذكاء الاصطناعي يعمل على تعزيز إنتاجية رأس المال البشري، لا سيما في الوظائف المعرفية. وتشير بعض الدراسات إلى أنَّ الموظفين يمكنهم توفير ما يصل إلى ساعة يومياً من وقت العمل، بينما ترتفع إنتاجية تقديم الخدمات بنسب تتراوح بين 3% و5%. هذا يعني أنَّ القيمة لم تَعُدْ تُنتَج فقط عبر زيادة عدد العاملين، بل عبر تمكينهم رقمياً. ولعلَّ ذلك يعزِّز من توجُّه بعض الدول نحو تقليل أيام العمل إلى 4 أيام. وهو أمر يتطلَّب بنية تحتية وفوقية تجعل من تقديم الخدمات على مدار الساعة وطوال أيام الأسبوع حقيقة قائمة وواقعية وفاعلة عبر منصات الذكاء الاصطناعي المؤهَّلة والقادرة على تقديم الخدمات. وهو أمر سيؤدي إلى توفير الكثير من التكاليف الإدارية على المؤسسات، ناهيك عن أثره البيئي بفعل تقليل الحاجة إلى الانتقال واستخدام الوقود والمياه وغيرها.
أمّا في القطاعات الحقيقية، كالصناعة والتصنيع، يُعَدُّ التأثير أبطأ لكنه أعمق. فالذكاء الاصطناعي يُسهم في تحسين الإنتاجية الكلية لعوامل الإنتاج من خلال تقليل الهدر، وتحسين سلاسل الإمداد، وتعزيز جودة الإنتاج. وتشير بعض التقديرات إلى أنَّ تبنِّي هذه التقنيات يمكن أن يرفع إنتاجية الشركات الكلية بنسبة لا تقل عن 2%، وهو رقم كبير في اقتصاديات الإنتاج، وقد ظهر في بعض الدراسات أنَّ الذكاء الاصطناعي أدّى إلى زيادة إنتاجية العامل بنسبة لا تقل على 60%. غير أنَّ المفارقة تكمن في أنَّ هذه المكاسب لا تظهر فوراً؛ إذ تشير بعض الدراسات إلى أنَّ غالبية الشركات لم تسجِّل بعد تحسُّناً ملموساً في الإنتاجية، ما يعكس أنَّ الذكاء الاصطناعي يمرُّ بمرحلة انتقالية، حيث تسبق الاستثمارات النتائج الفعلية.
أمّا في السياق العربي، فإنَّ الفرصة واضحة، لكنها مشروطة بالاستثمار في البنية الرقمية، أي تحسين البنية التحتية، وتنمية رأس المال البشري، وتبنّي سياسات داعمة للابتكار، أي الاستثمار في البنية الفوقية. وهي عوامل ستحدِّد ما إذا كانت الدول تعمل على أن تكون مجرد مستهلكة للتكنولوجيا أم منتجة للقيمة المضافة من خلالها. وفي المحصلة لا يعيد الذكاء الاصطناعي تعريف الإنتاجية وتحسينها فحسب، بل يعيد تعريف مَن يملك القدرة على تحقيقها بكفاءة.
khwazani@gmail.com