بشار جرار : انتبه «عحالك»!
رحم الله سيد مكّاوي وكم رددنا رائعته «الأرض بتتكلّم عربي» و»دندنّا» لحنا واحدا أغنيته باللهجة المصرية، على اختلاف لهجاتنا كأبناء الضاد.
غنّيناها فتية، والبعض حتى يومنا هذا ما زال حائرا في شيبه وشبابه، هائما على وجهه، بين الفتاوى الحزبية والفتوّة البلاغية أو «السّجعيّة» الصوتية، في كيف ينصر تلك الأرض التي تتكلم العربية، لكن بلهجات ولَكَنات، ذهبت بعيدا عن الضاد إلى ضدها، ممن لم يضمروا يوما خيرا، ولم يظهروا سوى عسلا وسمنا، لطالما دسّوا في حلاوته ودسمه قطرانا وسمّا.
ولعي باللغات واللهجات ضمن منهجية المقارنة لغايات التكامل لا المفاضلة، دفعني إلى التوقف مليا عند بعض المفردات والتعبيرات الرائجة لدى الأخ والصديق والجار والحليف، تماما كما في لغات ولهجات العدو أو الخصم أو المنافس. «الحكمة ضالّة المؤمن»، ولا ضير، بل والخير كله في قطفها والتنعّم بثمارها.
في مقالة اليوم، أخذتني الأحداث من حولنا إلى تحية رائجة عند إخوتنا اللبنانيين، أحبتنا أبناء ما كان يوما «سويسرا الشرق»، وهو مستعيد بعون الله لعافيته قريبا بعد تحرير بلاده من سائر أدوات ومظاهر الاحتلال والبلطجة الخارجية، من أي طرف كان، وبأي لبوس، فالوجه السافر الغادر واحد، لمن اختطف لبنان الجميل من أهله الأجمل.
أيا كانت مناسبة الحديث، يستودعك الأخ من بلاد الأرز دائم الخضرة والندى، زكيّ الشذى، يستودعك بتحية «انتبه عحالك»! لا زلت أذكر ردة فعلي الأولية قبل سنين خلت، عند سماع تلك التحية للوهلة الأولى. ظننتها وعيدا وفي أحسن الحال تحذيرا، فتطيّرت وما استبشرت. لكن مع تكرار التحيات ومن أكثر من زميل في بلاد كانت حينها بلاد غربة، اتّضحت الرؤيا.
المعنى إيجابي بالمطلق. التحية في حال ترجمتها إلى العربية الفصيحة أو لهجاتنا الأقرب إليها وفي مقدمتها اللسان الأردني القويم، تعني: استودعك الله راجيا الانتباه لنفسك، أو الاهتمام بحالك وأحوالك، أولا ودائما..
هي كما في تعليمات السلامة العامة في الطائرات. تقتضي أولويات إنقاذ النفس وحفظها، والحفاظ على سلامة البدن وقواه وعافيته، الانتباه أولا للنفس، بحيث من واجب حتى الوالدين وضع كمامة الأوكسجين في حال الطوارئ على النفس أولا، ومن ثم فلذات الأكباد، والذين نعلم يقينا أن ما من أب أو أم إلا وبَذَلَ نفسه فداء لأبنائه وأحفاده.
إفشاء السلام و»التهلّي» الصادق، بالصديق الصدوق، لا يثمر إلا خيرا. فعرفت من أخ مولع بتاريخ لبنان العربي والسرياني والفينيقي، أن سر تلك التحية موغل في القدم في نفسية وثقافة الإنسان اللبناني الذي تعرض لجمال إنسانه وبلاده إلى طمع الأعادي، وحسد «الأقارب والجيران»، عبر قرون.
متى ننتبه عحالنا..؟ ونحسن استخدام الكمامة التي تفوق في أيامنا هذه، أهمية كمامة كوفيد التاسع عشر! ما رأيناه في الجوار دون الدخول في التفاصيل من عناصر إرهابية تخريبية فوضوية يتطلب معهم التباعد حتى «ينشف ويموت» كل ما يؤذي فيروسا كان أم بكتيريا أم طُفَيْليّات دواؤها الشافي شمس الحق والحقيقة التي لا ولم ولن يحجبها غربال، ولا غرابيل الغرابيب السود ومن شاكلهم من الخوارج..