الأخبار

د. خالد وليد محمود : ماذا يعني استهداف مراكز البيانات في الحرب؟

د. خالد وليد محمود :  ماذا يعني استهداف مراكز البيانات في الحرب؟
أخبارنا :  

ثمة ما هو أبعد من الصواريخ ومدياتها، وأعمق من الخرائط التي تُرسم عليها الضربات. فالحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران لم تعد قابلة للقراءة فقط ضمن الإطار التقليدي الذي تُقاس فيه القوة بحجم الترسانة أو نطاق الاستهداف. نحن أمام تحوّل ينقل المواجهة من سطح الجغرافيا إلى طبقة خفية، حيث تُصاغ القوة بما يُرى ويُفهم ويُتخذ على أساسه القرار.

في هذا السياق، لا يبدو تحذير الحرس الثوري الإيراني باستهداف شركات التكنولوجيا الأمريكية مجرد تهديد تصعيدي، بل إشارة إلى انزياح في تعريف الفاعل العسكري وحدود الميدان. ما يجري لا يتعلق بإضافة أهداف جديدة، بل بإعادة تعريف ما يُعدّ هدفاً من الأساس.

ذلك أن الحرب لم تعد تستهدف المواقع بقدر ما تستهدف «المنظومات التي ترى المواقع». لم تعد الجغرافيا هي الهدف النهائي، بل البنية التي تُنتج المعرفة عنها: الأقمار الصناعية، الخوادم، منصات التحليل، والخوارزميات التي تحوّل البيانات إلى قرار. هنا، لا تُضرب المدن فقط، بل تُستهدف القدرة على «رؤيتها» في الزمن الحقيقي.

ضمن هذا التحول، لم تعد شركات التكنولوجيا تُقرأ ككيانات اقتصادية محايدة، بل كامتدادات وظيفية لمنظومات استخباراتية معقّدة. فهي لم تعد تبيع خدمات تقنية فحسب، بل تساهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة في سلسلة إنتاج القرار العسكري، من جمع البيانات وتحليلها إلى نمذجتها وتوجيه استخدامها. لم يعد السؤال: من يملك السلاح؟ بل: من يملك الخوارزمية التي تحدد كيفية استخدامه.

تشير التقديرات إلى أن سوق الذكاء الاصطناعي الدفاعي قد يتجاوز 50 مليار دولار بحلول 2030، مدفوعًا بسباق عالمي نحو امتلاك «أفضل نموذج». وفي قلب هذا التحول تقف بنية ISR (الاستخبارات، المراقبة، الاستطلاع)، التي لم تعد أداة مساندة، بل أصبحت العمود الفقري للحرب الحديثة، حيث تُعاد صياغة ساحة المعركة عبر البيانات قبل أن تُحسم بالنيران.

في هذا الإطار، تتحول شركات مثل Nvidia وPalantir وAmazon Web Services و Microsoft Azure إلى مكونات أساسية في»سلسلة القرار»، لا مجرد مزوّدين تقنيين. فحين تعتمد الحكومات على البنية السحابية التجارية في عمليات حساسة، تتلاشى الحدود بين المدني والعسكري، ويغدو القطاع الخاص جزءًا من البنية العملياتية للدولة.

ولا يتوقف الأمر عند البرمجيات. فالبنية المادية لصناعة الرقائق تكشف عن هشاشة أعمق. إذ تنتج شركة TSMC معظم الشرائح المتقدمة عالميًا، فيما تهيمن الشركات الأمريكية على تصميم المعالجات. أي خلل في هذه السلسلة لا يعني تعطّل شركة بعينها، بل إرباك القدرة العملياتية لدول بأكملها.

من هذا المنظور، يمكن قراءة التحول الإيراني عبر ثلاث زوايا مترابطة:أولاً، استهداف «سلسلة القيمة الاستخباراتية» بدلًا من نتائجها، أي ضرب البنية التي تجعل العمليات ممكنة.

ثانيًا، عسكرة الشركات المدنية، مع تحولها إلى بنى تحتية حيوية للصراع.

ثالثًا، إعادة تسييس الفضاء السيبراني، حيث تتحول المنصات إلى «جغرافيا بديلة» تُدار فيها المواجهة.

غير أن الأثر الأهم لا يكمن في التهديد ذاته، بل في الأسئلة التي يفتحها. ماذا يعني أن تصبح مراكز البيانات أهدافًا محتملة؟ ماذا يحدث حين يُعاد تعريف المهندس أو محلل البيانات كجزء من «سلسلة القتال»؟ وأين تنتهي مسؤولية الشركة وتبدأ مسؤولية الدولة؟

إذا استمر هذا المسار، فإننا لا نكون أمام تصعيد إقليمي فحسب، بل أمام إعادة تشكيل عميقة للعلاقة بين الاقتصاد الرقمي والأمن الدولي. فالشركات التي بنت شرعيتها على فكرة الحياد التقني قد تجد نفسها مضطرة إلى إعادة تعريف موقعها بين السوق والسيادة.

في المحصلة، لا يوسّع تحذير الحرس الثوري حدود المعركة بقدر ما يكشف عن انزياحها. حين تُصنَّف شركات التكنولوجيا كأهداف، فإن ما يُستهدف فعليًا هو القدرة على إنتاج «المعرفة القابلة للاستخدام» في الحرب. إنها محاولة لضرب القدرة على الرؤية قبل القدرة على الفعل.

بهذا المعنى، فإن استهداف مراكز البيانات ليس تصعيدًا كمّيًا في الحرب، بل تحوّل نوعي فيها: من استهداف النتائج إلى استهداف شروط إنتاجها، ومن ضرب الأهداف إلى ضرب القدرة على «تخيّل الهدف» قبل أن يوجد.

مواضيع قد تهمك