محمد ابو رمان : ترامب وإيجاد الحلقة المفقودة..
لا
يملك أحد الجواب الحاسم على سؤال مدة الحرب، فهنالك كم كبير من المتغيرات
يتحكم بسير الأمور؛ مثل القدرات الصاروخية الإيرانية، وأسعار الطاقة،
ومواقف النخب السياسية في أميركا وإيران ( بخلاف النخب الإسرائيلية التي
تظهر التصريحات واستطلاعات الرأي وجود شبه اتفاق عليها لديهم)، لكن العامل
الأكثر أهمية الرئيس في تقرير ذلك هو موقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
لماذا؟..
لأنّ كلا من الحرس الثوري وبنيامين نتنياهو لديهم أهداف محددة وواضحة
ويعتبران الحرب الحالية حرباً وجودية أو مصيرية، ولديهما تصورات واضحة عن
النتائج العسكرية والسياسية المطلوبة،بينما موقف ترامب متأرجح ومتردد بين
اعتبارين رئيسين؛
الاعتبار الأول،
وهو الذي يدفع إلى محاولة الخروج بأسرع وقت من الحرب من دون تحقيق نتائج
سياسية مضمونة، مع العودة إلى العقويات الاقتصادية وتشديد الخناق على
إيران، وصولاً إلى الضغط عليها للموافقة على شروط أميركية قاسية، حول
اليورانيوم والقوة الصاروخية والسلوك الإقليمي.
يقف
وراء هذا الاعتبار خشية ترامب من طول أمد الحرب والكلفة الاقتصادية وأسعار
الطاقة، والخشية من التورط في صراع طويل، وهو الذي انتقد التورط الأميركي
في حروب سابقة مكلفة، في أفغانستان والعراق، وعينه على الانتخابات النصفية
الأميركية القادمة، في ظل انقسام كبير في الرأي العام الأميركي تجاه الحرب،
وحتى في أوساط الحزب الجمهوري وفي داخل البيت الأبيض، إذ تجددت التقارير
الإعلامية التي تتحدث عن خلافات واضحة في الحلقة المحيطة به، من جهة وزيري
الحرب والخارجية يؤيدان استمرار الحرب وتعمّق أميركا فيها، ومن جهة أخرى
نائب الرئيس الأميركي، جي دي فانس، وقد كان معارضاً منذ البداية للحرب،
والآن يدفع نحو إعادة تأطير الأهداف وتعريفها بصورة عملية وواقعية.
يركز
ترامب على الجانب الاقتصادي والصفقات، وفي التداعيات الحالية للحرب ومأزق
مضيق هرمز، الذي بات يشكل ورقة الضغط الرئيسية في يد الحرس الثوري الإيراني
على أميركا، فإنّ أسعار الطاقة تشكل هاجساً رئيسياً لدى ترامب وفريقه مع
مؤشرات على ازدياد معدل التضخم، مما يجعل من احتمالات طول أمد الحرب مع عدم
القدرة على حل مشكلة هرمز، وفي حال إذا دخل الحوثيون إلى الحرب وأضيف مضيق
باب المندب وأمن البحر الأحمر إلى المشكلات السابقة فإنّ النتائج ستكون
أكثر تأثيراً على الاقتصاد الأميركي بل الإقليمي والعالمي، بخاصة أنّ دول
الخليج من أكثر الدول تضرراً من الأزمة الحالية، أمنياً وسياسياً
واقتصادياً، وسيزداد ضغطهم على الولايات المتحدة لوضع حدّ لهذا الوضع
الإقليمي والصراع.
على الجهة
المقابلة، فإنّ الاعتبار الثاني هو الاستمرار حتى الوصول إلى المرحلة التي
تقبل فيها إيران تحت الضغط العسكري بالشروط الأميركية، وهو ما يقصده ترامب
بالاستسلام الكامل، وهذا السيناريو يفترض وجود نقطة تحول قادمة في الصراع
تؤدي إلى انهيار القدرة الصاروخية الإيرانية، وتعزيز جبهة التيار الإصلاحي
الذي يدفع نحو إيجاد مخرج استراتيجي من الحرب الكبرى، ويقف وراء هذا
الاعتبار مجموعة من المتغيرات؛ في مقدمتها سيكولوجيا ترامب نفسه، والنرجسية
والغرور المرتبط أيضاً بإرسال رسالة للعالم حول القوة الأميركية، فإذا لم
يستطع أن يبني سردية النصر الكبير العالمي، وهو في الوضع الراهن اليوم غير
قادر على تسويق ذلك، بالرغم من ماكينته الإعلامية والسياسية، وبالرغم من
أنّه يصرّح في كل ساعة للإعلام، فإنّ خروجه من دون الصورة التي يريد سيضعف
موقفه، وربما يقوّي من نزعات التمرد والتشكيك والتحدي الداخلية والخارجية
له، فضلاً أنّه سينتهي به الأمر إلى اهتزاز علاقته بالجماعات الإنجيلية
الأصولية الداعمة للحرب، والتي تشكل بنية رئيسية في قاعدته الانتخابية.
فوق
هذا وذاك ينظر ترامب إلى أن تحقيق انتصار حاسم في إيران سيساعده في حسابات
الصراع الاستراتيجي العالمي مع الصين، ففنزويلا وإيران وغرينلاند كلها في
قاموس ترامب جزء من معادلة الحرب الاقتصادية أو الاقتصاد العالمي المسلّح،
كما تصفه مجلة الشؤون الخارجية الأميركية، فضلاً عن النفط والصفقات
التجارية الموعودة وبناء نظام إقليمي مضمون الجانب.
بالنسبة
لترامب فإنّ جزءاً كبيراً من المهمة قد انجُز فعلاً، لكن الحلقة المفقودة
والأكثر أهمية تتمثل في الانتقال من الجانب العسكري إلى النتائج السياسية،
وتحديداً في إعلان الانتصار عبر تغييرات جوهرية في صيغة النظام الإيراني
(ربما من خلال قيادة جديدة أكثر براغماتية) والموافقة على الشروط
الأميركية، مثل هذه الحلقة لا تزال غير واضحة ولا توجد تصورات واضحة لترامب
لإيجادها، إلاّ الاستمرار في الحرب حتى إنهاك النظام الإيراني واستنفاد
قدرات الحرس الثورية الصاروخية وتثوير الشارع بسبب الأوضاع الاقتصادية
الخانقة.