بشار جرار : القدوة أولاًَ والقيادة دائمًا
مما
تعلمت منه الكثير فيما يخص الاشتباك الإيجابي مع الفضاء السيبراني، كتاب
عنوانه: قبل أن تُرسِل! كتاب مكرس في عنوانه الفرعي "لتفادي ما يصدّع الرأس
ويوجع القلب" ينصح ويعلّم القارئ سبل الأمان أولا ومن ثم التأثير الفعّال،
قبل أن يقوم المرسِل بضغط زر الإرسال سواء أكان "إيميل" بريدا إلكترونيا،
"تويته" حتى وإن كانت تغريدة في أقل من سطر، أو "بوست" منشورا أو إعادة
نشر، حتى وإن كان خاليا من "لايك" إعجاب ذهبي أو عادي، كفيل بفتح "باندورا
بوكس" ذلك الصندوق الأسطوري الإغريقي الذي لا تقف ألغازه ومفاجآته ومعظمها
غير السارة.
عرفت في حياتي
المهنية والشخصية في بيئات عمل وتجارب اجتماعية وثقافية متباينة، عدد لا
بأس به من أولئك الذين تحدد مصيرهم صعودا أم هبوطا جراء الإتيان بكلمة أو
الجبن عنها أو النفاق عليها سواء أكان التعبير عنها خطيا أم شفويا،
والتجارب ما زالت تذكرنا بأن "الكلام عليه جمارك" خلافا لما يشاع وبصرف
النظر عن النظام السياسي أو الثقافة السائدة في سائر أرجاء المعمورة.
الإنسان
قبل أن يكون شاغرا لأي منزلة أو وظيفة، ترتسم شخصيته الاعتبارية بذلك
القول والفعل، ومن قبلُ تلك العقائد والمفاهيم التي تعبر عن نفسها لاحقا،
على هيئة سلوك أو ما لا تستطيع الجوارح إخفاءه، وقد صدق الخالق سبحانه في
جعل "سيماهم في وجوههم" فالأمر لا يقتصر فقط على آثار السجود.
ينصح
مؤلف ذلك المؤلف المدرج ضمن أبرز كتب الشغل الذاتي على تحسين قدرات الذات
كإنسان، الدكتور إمرسون إغركس، وقد نهلت من معارفه عبر أذنيْ، دون انشغال
عن مهام قيادة المركبات، من خلال سيارتي القديمة التي كانت لا زالت تستخدم
الأقراص المدمجة. عبر بضع ساعات استمعت عبر "سي دي" استعرته من مكتبة الحي
العمومية، بإيجاد فارق زمني مناسب بين الحالة الانفعالية والتعبيرية. وبين
كتابة الإيميل مثلا، وبين إرساله أو برمجة إرساله إلكترونيا في وقت مناسب
للمتلقي (المرسل إليه). أصغيت إلى هذه النصيحة الأغلى من جمل بسنامين،
وغيرها من الإرشادات في كتاب إغركس الذي صدرت الطبعة الأولى منه قبل تسع
سنين، وأنا في رحلات الذهاب والإياب من بيتي إلى مكتبي في ضواحي العاصمة
الأمريكية واشنطن، بما يعدل المسافة ما بين عاصمتنا الحبيبة عمّان، وعروس
الشمال إربد.
من النصائح
التفصيلية في ذلك الكتاب فيما يخص العلوم الإدارية، حسن اختيار الرسائل
الاتصالية بين الرئيس والمرؤوس، وما بين أعضاء فريق العمل الواحد أو أعضاء
أسرة المؤسسة الواحدة، بين ما يتم إرساله أول أيام الأسبوع أو آخره، أول
ساعات العمل أو آخرها. فلكل غاية ودلالة وعبرة.
ربما
أعود يوما إلى ذلك فيما يخص الجانب الاتصالي الجماهيري بمعنى الإعلام
بجناحيه التقليدي والمعاصر، لكني ارتأيت اليوم الانطلاق من حدث راهن، ألا
وهي "حربنا مع إيران" كما تفضل إدارة ترمب تسميتها حيث ما يجري الآن ليس
بشن حرب وإنما إنهاؤها وحسمها منذ أن شنها الخميني بعيد عودته من باريس إلى
طهران، قبل سبعة وأربعين عاما.
عشية
مؤتمره الصحفي حول اليوم الرابع عشر حينئذ من عملية الغضب الملحمي، وقّع
وزير الحرب بيت هغزث على أمر بإنشاء فريق عمل لمهمة "تاسك فورس"، على أن
تنجز أداء واجبها كاملا في مدة لا تتجاوز التسعين يوما.
كان
بإمكان الوزير إبقاء الأمر داخليا أو حتى سريا للمعنيين فقط على صيغة
تعميم أو تعليمات شفوية مباشرة للمعنيين، لكنه أرادها علنية، وكرس لها
فيديو بأقل من دقيقتين وثلاثين ثانية، على حسابه الرسمي كوزير للحرب، على
منصة إكس.
المهمة هي إعادة النظر
بمناهج وبرامج والنشاطات التعليمية والثقافية العسكرية. المهمة بإيجاز ودون
الحاجة إلى شرح أو تبرير: المطلوب تعليم فقط. وتعليم عسكري محض. تعليم
مكرس لمهمة واحدة، هي كسب الحرب إن اتخذ القائد الأعلى للقوات المسلحة،
بصفته رئيسا للولايات المتحدة، القرار بشن عملية عسكرية، أو تدرجت الأمور
إلى مستوى تولي الكونغرس بصفته الجهة الدستورية المخولة بقرار "إعلان"
الحرب وليس قرار شن الحرب أو خوضها أو إيقافها أو اتخاذ ما يلزم من إجراءات
عسكرية أو أمنية، فتلك من مهام ذوي الاختصاص فقط، لا أحد سواهم..
من
الجامعات والمعاهد العسكرية التي ذكرها هغزث، ما هو عالمي وليس أمريكيا
فقط، ومنها ما يعني الكثير من دول الشرق الأوسط، سيما تلك الدول التي تحرص
على إدامة وتفعيل علاقات الصداقة والتحالف والشراكة فيما بينها، ثنائيا
وعلى نحو متعدد.
في الأزمات
والمحن، تتعاظم أهمية الوعي ويلوذ الجميع بالقيادة، مدنية وعسكرية، روحية
واجتماعية، تربوية تعليمية وثقافية. وما من قيمة وتأثير وفاعلية لأي قيادة
في الدنيا وعبر التاريخ ما لم تكن هي القدوة في كل شيء، لذلك تحرص جيوش
العالم كلها على الانضباط والالتزام المطلق بالرسالة، القيادة، والمهمة.
في
التعامل مع الموارد البشرية وتفادي وإدارة الأزمات على أي مستوى كان، من
المفيد البدء بمراجعة ما تبين سوء أثره في التربية والتعليم أو ثمره في
الثقافة السائدة، وعلى سلوك الناس في المسرات والملمات.
من
الآخر، انضباط السلوك البشري الفردي والجمعي ومدى قدرته على أن يكون راشدا
رشيدا، صالحا فالحا، يرتبط دائما وأبدا بالقدوة أولا والقيادة دائما.. ــ الدستور