الأخبار

د. يوسف منصور : المضاعفات الاقتصادية في الأردن

د. يوسف منصور : المضاعفات الاقتصادية في الأردن
أخبارنا :  

ما هو وجه الانفاق الأفضل؟ يستخدم الاقتصاديون ما يسمى بالمضاعف الاقتصادي كأحد أهم الأدوات لبيان وجه الانفاق الذي سيؤدي الى الزيادة الأكبر في الناتج المحلي الإجمالي. ويُنسب ظهور مبدأ المضاعفات الاقتصادية كأداة في شكله الأول إلى الاقتصادي البريطاني ريتشارد كان عام 1931 وطوره وعممه لاحقاً جون مينارد كينز في عام 1936. في ظل التطورات الإقليمية الحالية، تزداد أهمية فهم واستخدام المضاعفات للتفكير في حلول الاستدامة.

 

يقوم المبدأ ببساطة على فكرة أن ما ينفقه احدهم (قطاع عام أو خاص) يصبح دخلاً لآخر يقوم بانفاق جزء منه ليصبح دخلاً لشخص أو مؤسسة أخرى وهكذا دواليك. بعبارة أخرى، إذا تم ضخ دينار واحد إضافي في الاقتصاد سواء من خلال إنفاق حكومي، أو استثمار خاص، أو من دخل الصادرات، أو تحقق زيادة في الدخل، فإن هذا الدينار يتحول إلى دخل لشخص آخر، والذي بدوره ينفق جزءاً منه، مما يولّد دخلاً جديداً لآخر أو آخرين، وهكذا تتكرر العملية عدة مرات. والنتيجة النهائية هي أن الأثر الكلي على الناتج يكون أكبر من الأثر الأولي.

فإذا كان المضاعف 1.5 مثلاً، فهذا يعني أن كل 1 دينار يُنفق يتولّد5. 1 دينار من الناتج في الاقتصاد. أما إذا كان المضاعف 0.5 فقط، فهذا يعني أن نصف الأثر تقريباً يتسرّب عبر الاستيراد أو الادخار أو ضعف التشابكات المحلية وتكون النتيجة أن الدينار ولد زيادة في الناتج المحلي الإجمالي لا تزيد عن نصف دينار.

يوضح مبدأ المضاعف أي نوع من الإنفاق أو الصدمة يعطي أثراً أكبر على الناتج والتشغيل والدخل، وأي نوع يتسرّب سريعاً إلى الخارج عبر الاستيراد، فيكون أثر الإنفاق ضعيفا، حيث يختلف حجم المضاعفات بحسب الأداة والقطاع، كمضاعف الإنفاق الرأسمالي، ومضاعف الإنفاق الجاري، ومضاعف التحويلات، ومضاعف السياحة، ومضاعف القطاعات الإنتاجية.

مضاعفات الأردن، بصفته اقتصاداً صغيراً ومفتوحاً، أقل من تلك في الاقتصادات الكبيرة المغلقة بسبب تسرّب جزء من الطلب إلى الواردات. أفضل دليل قطاعي أردني متاح علناً جاء من بحث للبنك المركزي الأردني حول الترابطات القطاعية والمضاعفات. خلص البحث إلى أن قطاع الصناعة التحويلية جاء أولاً من حيث قيمة المضاعف الكلي، بحوالي 2.166 دينار لكل 1 دينار يُنفق في القطاع، ثم الكهرباء والمياه بحوالي 2.033، ثم المطاعم والفنادق بحوالي 1.968 ،وهذه نتائج مهمة لأنها تقول إن بعض القطاعات في الأردن لديها تشابكات داخلية جيدة نسبياً، وتولّد طلباً على مدخلات من قطاعات أخرى، وبالتالي تعطي أثراً أكبر على الناتج الكلي.

أي أن الصناعة التحويلية والقطاعات كثيفة التشابك محلياً تبقى عادة بين الأعلى من حيث المضاعفات، بينما القطاعات ذات المحتوى الاستيرادي المرتفع أو الروابط المحلية الضعيفة تعطي أثراً أقل. كما أن إدخال عوامل مثل الانفتاح التجاري والدين العام وسعر الصرف يغيّر حجم المضاعف، وأن الإنفاق الرأسمالي الحكومي أكثر دعماً للنمو من غيره، ويشمل البنية التحتية، المياه، الكهرباء، والنقل، والمشروعات الإنتاجية العامة.

يكون مضاعف الانفاق الرأسمالي أعلى من مضاعف الإنفاق الجاري، لأن جزءا منه يخلق طلباً مباشراً على العمالة والخدمات المحلية، وجزء آخر يرفع الإنتاجية مستقبلاً، ويعتمد حجم المضاعف على نسبة المحتوى المحلي في المشروع، فإذا كان المشروع يعتمد بشدة على معدات مستوردة، ينخفض المضاعف الفعلي. لذلك يمكن القول أن مضاعف الإنفاق الرأسمالي في الأردن يقع غالباً في النطاق المتوسط إلى المرتفع نسبياً كون اقتصادنا صغيرا ومفتوحا، وليس في مستويات الدول الكبيرة.

وبينما يأتي مضاعف السياحة والمطاعم والفنادق (1.968) في المرتبة الثالثة، وهو مضاعف مرتفع نسبياً، يجب أن نتذكر أنه حساس بشدة للصدمات والمتغيرات الخارجية. السياحة لا تحرّك الفنادق فقط، بل أيضاً النقل، الطعام، التجارة، الحرف، والأنشطة الثقافية. كما أن السياحة ذات وزن كبير في الاقتصاد الأردني؛ فالإيرادات السياحية بلغت مستويات تاريخية مؤخرا، لكن هذا المضاعف غير مستقر وهش أنه شديد الحساسية للجغرافيا السياسية.

وبالنسبة لمضاعف التحويلات للأسر فهو مضاعف متوسط (أقل أثراً) رغم أن التحويلات مهمة جداً لأنها مثلت نحو8.3% من الناتج في 2024، لكن مضاعفها عادة أقل من الإنفاق الرأسمالي والصناعة لأن جزءاً مهماً من إنفاق الأسر يذهب إلى سلع مستوردة أو ادخار أو سداد ديون. ومع ذلك، يظل أثرها كبيراً على الاستهلاك المحلي والإسكان والخدمات. لذا فإن مضاعف التحويلات مهم للاستهلاك والاستقرار الاجتماعي، لكنه أقل من القطاعات الإنتاجية ذات التشابك المحلي الأكبر.

أيضاً، يجب الانتباه الى أن مضاعف التخفيضات الضريبية والتحويلات العامة، هو الأضعف غالباً، ففي الاقتصادات الصغيرة المفتوحة، تميل التخفيضات الضريبية أو التحويلات غير الموجهة إلى إعطاء مضاعف أقل لأن جزءاً منها لا يتحول إلى طلب محلي صافٍ؛ بل قد يذهب إلى الادخار أو الاستيراد (وفي حالة الأردن يذهب الجزء الأكبر للاستيراد). لذلك، إذا كان الهدف في الأردن هو تعظيم النمو والتشغيل، فإن الإنفاق الرأس مالي المنتج أو دعم القطاعات عالية التشابك غالباً أفضل من الحوافز الأفقية الواسعة غير المستهدفة.

كيف نستخدم المضاعفات في تحليل صدمة إغلاق مضيق هرمز؟ تساعدنا المضاعفات في معرفة أين ستكون الخسارة الأكبر وأين يجب أن يكون التعويض. إذا تضررت السياحة أو الصناعة أو النقل، فلا يكفي حساب الخسارة المباشرة فقط، والأولوية الاقتصادية ليست لأي إنفاق، بل للإنفاق الذي يملك محتوى محليا عاليا وتشابكات إنتاجية قوية.

مواضيع قد تهمك