هزاع البراري : مقتضيات النصر وموجبات الهزيمة في الحرب القائمة
الحرب طاحنة بلا شك، والمدى الزمني طال، ولا تبيان لملامح الحسم هنا أو هناك، وهي حرب عصرية ومعقدة جيوسياسياً، عمادها الطاقة وسلاسل الإمداد وأمن إسرائيل. فإن الزمن عامل مؤثر في مآلات الحرب، وهو بمثابة تشكيل عسكري يصوّب لصالح إيران إن طال أكثر مما يجب أو أكثر مما خُطِّط له. والمراقب يشهد زخماً مفرطاً في التصريحات السياسية والدبلوماسية والعسكرية تكاد تتفوق على حجم صافرات الإنذار في المنطقة، مما يجعلها مواجهة شرسة متعددة الأوجه والجبهات. ونكاد نلمس بوضوح حجم التناقض بين تصريحات الساسة الإيرانيين وأفعال عسكرهم، تناقضاً يصل إلى حد الحرج الدبلوماسي، في حين أن تصريحات الرئيس الأمريكي ترامب تواجه حالة من عدم الاستقرار المربكة، والتي لا تعبّر تماماً عما يحدث في عمق المعركة. فهل في ذلك قصدية أم هي طبيعة الرجل، أم أن التصريحات تأتي لتهدئة الأسواق، وخاصة في مجال الطاقة؟.
أما إسرائيل فهي تؤكد دائماً على مواصلة القتال حتى النهاية، مقللةً حجم خسائرها ومعظمةً منجزاتها العسكرية والاستخباراتية، مع إعطاء الجبهة اللبنانية زخماً كبيراً في محاولة لإنهاء ملف حزب الله وإخراج الجبهة اللبنانية من المعادلات العسكرية القادمة.
في ظل ذلك كله، من يُسمح له بالنصر ومن يتوجب عليه أن ينهزم؟ إنها لعبة عضّ الأصابع المؤلمة، والتي عمادها الصبر وكتم الوجع. في الذهنية الأمريكية منذ الحرب العالمية الثانية، وفي عقيدة إسرائيل منذ نكبة 1948، فإنه لا يُسمح للطرف الآخر بالنصر وإن تحصّل على كل مقتضيات وعوامل النصر على أرض الواقع. ولعل ضرب اليابان بالقنبلة الذرية مرتين إبان الحرب العالمية الثانية، والجسر الجوي الأمريكي لدعم إسرائيل في حرب 1973 لمنع خسارة إسرائيل الحرب، واليورانيوم المنضب في الحرب على العراق، وغيرها من مواجهات عسكرية هنا وهناك، كان دائماً غير مسموح للطرف الآخر بالنصر تحت أي ظرف موضوعي كان. وهذا نهج سعت أمريكا إلى تكريسه ضمن سعيها الدائم للهيمنة على العالم غربه وشرقه، في حين أن إسرائيل تسعى إلى تأكيد تفوقها العسكري بأي شكل من الأشكال، وذلك جوهر عقيدتها الأمنية. فهي وإن اضطرت لخسارة جزئية لمعركة هنا أو مواجهة هناك، إلا أنها ترفض، ومن خلفها أمريكا، أن تخسر أي حرب في المنطقة.
في هذا السياق، هل يُسمح لإيران أن تحقق نصراً واضح المعالم؟ المعسكر الغربي الأمريكي الإسرائيلي يقول لا، حتى لو كانت هذه الـ"لا" انتحارية. فالمواجهة السابقة، والتي عُرفت بحرب الاثني عشر يوماً، توقفت بتفوق أمريكي إسرائيلي، لكن دون خسارة أو هزيمة إيرانية. لكن هذه الحرب مختلفة؛ واضح فيها أن تقدير قدرات إيران العسكرية وصمت ساحتها الداخلية لم يكن دقيقاً، مما جعل منها نداً فاعلاً في كثير من المفاصل، وهذا واضح الآن في تقديرات وحسابات أمريكا وإسرائيل. لكن هل يغيّر ذلك في ما ستؤول إليه الحرب؟ السياق التاريخي والمصالح الغربية والأمن الإسرائيلي يقول عكس ذلك.
إيران
سعت منذ اللحظات الأولى إلى توسيع رقعة الحرب ورفع كلفة المواجهة، محاولةً
إدخال العالم في أزمة طاقة تنتج انهياراً مالياً وتراجعاً اقتصادياً
كبيراً، وبالتالي تضييق الخناق على الخيارات الأمريكية تحديداً، ودفعها إلى
الدخول في تسوية مع إيران بشروط أقل حدة، عمادها البقاء على النظام القائم
حياً، مقابل ربما إلغاء البرنامج النووي وتقييد الترسانة الإيرانية من
الصواريخ الباليستية، وربما أيضاً وقف رعاية الأذرع في المنطقة. وهذا أمر
قد يحدث بصورة ما إذا واصلت إيران الصمود وأثّرت بشكل كبير على إمدادات
الطاقة. وأنا أرى أن مواصلة الصمود بهذا الزخم صعبة المنال، لكن علينا ألا
ننسى أن حدوث أي شيء من هذا يستوجب بالضرورة ظهور إيران بمظهر الخاسر، وأن
يبقى النصر سمة الغرب/الأمريكي. فدون الظهور بمظهر الهزيمة من قبل إيران،
لن يُسمح بأي تسويات أن تتم مهما ارتفعت كلف الحرب وطال زمنها. ــ الراي