جهاد المنسي : الفرق بين رد القوانين وسحبها
غالبا يتكرر في النقاشات البرلمانية والسياسية وعلى صفحات التواصل الاجتماعي خلطٌ بين مفهوم ردّ القوانين، وسحبها من قبل الحكومة، حتى بات المصطلحان يُستخدمان أحياناً وكأنهما يؤديان النتيجة ذاتها، بيد أن الحقيقة التشريعية مختلفة تماماً؛ فلكل إجراء مساره ونتيجته وتأثيره.
رسم الدستور مسار مشاريع القوانين بوضوح فالتشريع يقوم على شراكة بين غرفتي
مجلس الامة (النواب والأعيان)، اذا يبدأ مشروع القانون عادة من الحكومة،
وقد يأتي أيضاً بمبادرة من مجلس النواب، ثم يخضع للنقاش داخل المجلس، قبل
أن يُحال – إذا أُقر– إلى مجلس الأعيان بوصفه الغرفة التشريعية الثانية،
وهنا يظهر الفارق الجوهري الذي يغيب أحياناً عن النقاش العام، فردّ القانون
من مجلس النواب لا يعني إرجاعه للحكومة، كما يعتقد البعض، بل يعني عملياً
إرساله لمجلس الأعيان للنظر فيه ضمن المسار الدستوري للعملية التشريعية، أي
أن المشروع يبقى داخل غرفتي التشريع، وينتقل بينهما.
أما قيام الحكومة بسحب مشروع القانون، فله معنى مختلف تماماً؛ إذ يعني
ببساطة استرداد الحكومة للقانون من غرفتي السلطة التشريعية، وإخراجه من
المسار التشريعي قبل استكمال مراحله، وبذلك يعود المشروع إلى الجهة التي
قدمته، وتصبح الحكومة صاحبة القرار في إعادة تقديمه لاحقاً بصيغة جديدة أو
التراجع عنه كلياً.
بوضوح وباختصار فان ردّ مشروع القانون -أي قانون- ينقله إلى مجلس الأعيان،
بينما يعني قيام الحكومة بسحب مشروع القانون فهذا يعني استرداده من غرفتي
التشريع، وهذا التفريق بين المفهومين ليس تفصيلاً إجرائياً، بل فعل دستوري
تؤثر مباشرة في دور مجلس النواب في صناعة التشريع، فحين يقرر مجلس النواب
ردّ مشروع القانون، فإنه في الواقع ينقل المشروع إلى مسار تشريعي آخر قبل
أن يأخذ حقه الكامل من النقاش التفصيلي داخل اللجان النيابية أو تحت القبة.
ومن خلال تجربتي البرلمانية فان كثير من المشرعين البرلمانيين اللذين كان
لهم بصمات تحت القبة كانوا يفضلون المطالبة بتحويل مشروع القانون الى
اللجنة المعنية او مطالبة الحكومة بسحبه، ولو كانت هناك مطالبة من قبلهم
برده فإن ذلك يكون من خلال توافق بين غرفتي التشريع على الرد.
الغالبية كانت تفضل إعطاء اللجان النيابية دورها الكامل قبل اللجوء إلى
خيار الرد، فاللجنة النيابية تُعد في الاعراف البرلمانية المكان الطبيعي
للنقاش المعمّق، حيث يمكن الاستماع لراي خبراء وممثلي النقابات والقطاعات
المختلفة، وإجراء التعديلات اللازمة على مواد القانون قبل عرضه على المجلس
بصيغته النهائية، وأثبتت بعض التجارب أن النقاش داخل اللجان غالباً ما ينتج
قوانين أكثر توازناً، لأن الحوار يكون أوسع وأكثر تخصصاً، ويتيح معالجة
الإشكالات القانونية والاقتصادية والاجتماعية التي قد تثيرها مشاريع
القوانين، فيما يعتبر الذهاب المباشر لخيار الرد بمثابة تقليل مساحة النقاش
داخل مجلس النواب، ونقل المشروع إلى مرحلة تشريعية مختلفة قبل أن يأخذ حقه
الكامل من الدراسة والتعديل.
عمليا وحتى تكون الأمور واضحة فان أي مشروع قانون لا يخرج من المسار
التشريعي نهائياً إلا في حالتين، الأولى إذا قررت الحكومة سحبه واسترداده
من مجلس الامة، والثانية إذا اتفقت غرفتا التشريع (النواب والأعيان) على
ردّه بصورة متطابقة، وعندها فقط يُعد المشروع مرفوضاً تشريعياً.
وفي القوانين الكبرى التي تمس شرائح واسعة من المجتمع، خصوصاً ذات البعد
الاقتصادي أو الاجتماعي، فإن توسيع دائرة النقاش داخل اللجان وتحت القبة
يبقى الخيار الأكثر فاعلية لتعزيز جودة التشريع وضمان مشاركة أوسع في
صياغته، أما الرد غير المتفق عليه مع الغرفة الثانية فانه يبقى خيار شعبويا
فقط، ومن شأنه إفقاد مجلس النواب لحقه في إدخال تعديلات جوهرية على مشاريع
القوانين. ــ الغد