ليث القهيوي : حين ينقلب الإقليم.. الأردن على مفترق التحولات الكبرى
لم يعد الشرق الأوسط يعيش أزمات موسمية يمكن احتواؤها ببيانات التهدئة أو بمسكنات السياسة التقليدية، بل دخل مرحلة إعادة تشكيل عميقة تُعاد فيها صياغة موازين القوة وأدوار الدول في آن واحد. فالتطورات المتلاحقة من غزة إلى الممرات البحرية، ومن تصاعد التنافس الإقليمي إلى الحضور الدولي المتزايد تشير بوضوح إلى أن الإقليم يقف أمام لحظة تحول استراتيجي طويل الأمد، تتشابك فيها الحسابات العسكرية والاقتصادية والسياسية، وتُختبر فيها قدرة الدول على إعادة تموضعها قبل أن يُفرض عليها نظام إقليمي جديد.
في مثل هذه اللحظات لا يكون السؤال الحقيقي من سيربح جولة الصراع الراهنة؟
بل من سيقرأ اتجاه التحول مبكرًا ويعيد ترتيب موقعه قبل الآخرين؟ فالدول
التي تتعامل مع التحولات الكبرى بعقلية إدارة الأزمة فقط غالبًا ما تنتهي
إلى موقع رد الفعل، بينما الدول التي تبادر إلى التكيف الاستراتيجي تتحول
من متلقية للضغط إلى صانعة للتوازن.
الإقليم اليوم يعيش تحت وطأة ثلاث حقائق متزامنة.
أولها تصاعد التنافس الجيوسياسي، حيث لم تعد التحالفات ثابتة بقدر ما أصبحت
خاضعة لإعادة تعريف مستمرة وفق المصالح الأمنية والاقتصادية.
وثانيها أن الطاقة والتجارة لم تعودا ملفين اقتصاديين منفصلين، بل أصبحتا
جزءًا مباشرًا من معادلات الأمن القومي، بحيث إن أي اضطراب في الممرات
البحرية أو أسعار الطاقة ينعكس فورًا على الاستقرار الداخلي للدول.
أما الحقيقة الثالثة فهي تقلص هامش المناورة أمام الدول المتوسطة والصغيرة،
التي باتت مضطرة لاتخاذ خيارات أكثر وضوحًا في بيئة إقليمية أقل تسامحًا
مع الحياد الرمادي.
ضمن هذا المشهد، يبرز الأردن بوصفه دولة تقع في قلب التحول لا على هامشه.
فالمملكة ليست بعيدة عن بؤر التوتر، بل تجاور أكثرها حساسية: فلسطين،
سورية، العراق، وامتدادات الخليج العربي. وهذه الجغرافيا تمنحها قيمة
استراتيجية كبيرة، لكنها في الوقت نفسه تجعلها أكثر تعرضًا لارتدادات
الأزمات. وهنا تكمن المفارقة الأردنية: فالموقع ذاته الذي يفرض التحدي يمكن
أن يتحول، إذا أُحسن استثماره، إلى مصدر قوة وفرصة في آن واحد.
يمتلك الأردن عناصر مهمة تؤهله لإعادة التموضع بذكاء. فاستقراره السياسي
والمؤسسي، وسط بيئة إقليمية مضطربة، ليس مجرد عامل داخلي للطمأنينة، بل أصل
استراتيجي يمكن توظيفه دبلوماسيًا واقتصاديًا. كما أن شبكة علاقاته
المتوازنة مع مختلف الأطراف تمنحه هامشًا مهمًا للحركة، وتجعله قادرًا على
لعب أدوار الوسيط والممر والشريك الموثوق في لحظة تتزايد فيها حاجة المنطقة
إلى الدول المستقرة القادرة على إدارة التوازنات.
لكن هذا الرصيد وحده لا يكفي. فالأردن يواجه في الداخل ضغوطًا لا يمكن
فصلها عن المشهد الإقليمي: عبء الدين العام، حساسية الاقتصاد تجاه الطاقة
المستوردة، تحديات النمو، وارتفاع بطالة الشباب. وهذه ليست مجرد ملفات
اقتصادية أو اجتماعية، بل أصبحت جزءًا من معادلة الأمن الوطني بمعناها
الواسع. فالدولة التي تريد دورًا إقليميًا أكبر تحتاج أولًا إلى جبهة
داخلية أكثر صلابة، واقتصاد أكثر مرونة، ومجتمع قادر على تحويل القلق إلى
إنتاج.
من هنا، فإن إعادة التموضع الأردني لا ينبغي أن تُفهم على أنها تغيير في
التحالفات فقط، بل كعملية أوسع لإعادة ترتيب الأولويات. وهذا يبدأ بتسريع
الإصلاح الاقتصادي، ليس كشرط مالي فحسب، بل كأداة لتعزيز المناعة الوطنية.
ويمر عبر تطوير الموقع اللوجستي للأردن، بحيث يتحول من دولة عبور تقليدية
إلى مركز إقليمي للتجارة والخدمات وسلاسل الإمداد. كما يقتضي الاستثمار
الجاد في الشباب، بوصفهم طاقة إنتاج واستقرار، لا بوصفهم ملفًا مؤجلًا إلى
المستقبل.
أما على مستوى استشراف المرحلة المقبلة، فالإقليم يبدو مرشحًا لثلاثة مسارات رئيسية.
الأول يتمثل في احتواء نسبي للتوترات، وهو مسار يمنح الدول فرصة لالتقاط الأنفاس لكنه لا يلغي التحول العميق.
أما الثاني وهو الأرجح فيتمثل في استمرار توتر منخفض الحدة وممتد، بما يبقي الضغط قائمًا على الاقتصاد والاستثمار والطاقة.
أما الثالث، وهو الأكثر خطورة، فيكمن في احتمال حدوث صدمة مفاجئة في ملف
الطاقة أو الممرات أو الأمن، بما يسرّع التحولات ويفرض على الدول خيارات
صعبة في زمن قصير.
في جميع هذه السيناريوهات، لا يملك الأردن ترف الانتظار، فالموقع
الجيوسياسي للأردن لم يعد مجرد معطى جغرافي، بل أصبح عاملًا فاعلًا في
معادلات الاستقرار الإقليمي. فالمعادلة الجديدة في الإقليم لا تكافئ الدول
الأكبر حجمًا فقط، بل تكافئ الدول الأقدر على التكيف، والأسرع في تحويل
الاستقرار إلى نفوذ، والموقع إلى وظيفة، والضغط إلى فرصة. والأردن، إذا قرأ
اللحظة بوضوح، قادر على الانتقال من موقع التفاعل مع التحولات إلى موقع
التأثير فيها.
في أزمنة التحول الكبرى لا تُصنع المكانة بالثبات وحده، بل بقدرة الدول على
قراءة المتغيرات قبل الآخرين، وامتلاك الجرأة على إعادة التموضع قبل أن
تُرسم الخرائط الجديدة. وهنا تحديدًا يقف الأردن: ليس أمام أزمة عابرة، بل
أمام لحظة تاريخية قد تعيد تعريف دوره في الإقليم لعقود قادمة.
فالدول التي تنتظر نهاية العاصفة تكتفي غالبًا بالنجاة منها، أما الدول
التي تقرأ اتجاه الرياح مبكرًا فهي التي تعيد رسم ملامح المرحلة التالية،
وتحدد موقعها داخلها لا على هامشها. ــ الغد