الأخبار

فراس النعسان : اطمئنوا نحن في الإمارات

فراس النعسان : اطمئنوا نحن في الإمارات
أخبارنا :  

هناك لحظات في حياة الإنسان لا يكتشف فيها البلد الذي يعيش فيه فقط، بل يكتشف نفسه أيضاً. الحروب البعيدة كانت دائماً أخباراً على الشاشات، شريط أخبار يتحرك وتحليلات تتناقض مع بعضها، لكن حين تقترب النار من المكان الذي تسكنه، يصبح السؤال شخصياً جداً: هل تشعر بالخوف أم تشعر بأنك في المكان الصحيح؟

في ظل الحرب المشتعلة بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، ومع الصواريخ والمسيرات التي حاولت أن تجعل الإمارات جزءاً من مساحة القلق، أدركتُ - وأنا المقيم هنا منذ خمسة وعشرين عاماً - أن الأوطان لا تُقاس بجواز السفر، بل بدرجة الطمأنينة التي تمنحها للإنسان حين تضيق الدنيا من حوله.

في تلك الليالي التي امتلأت فيها السماء بأخبار الاعتراضات الجوية، لم يكن الصوت الأعلى هو صوت التهديد، بل صوت الهدوء. الرسائل الرسمية تصل بوضوح، المؤسسات تعمل بثقة، والقيادة تخاطب المجتمع بلغة الأب الذي يعرف أن الطمأنينة نصف النجاة. لم أشعر لحظة أنني مقيم ينتظر الحماية، بل إنسان مشمول بعناية كاملة، كما لو أن هذه الأرض تعرفني منذ ولادتي.

الإمارات في الأزمات لا ترفع صوتها، بل ترفع مستوى حضورها. هنا، لا يتحول الخوف إلى فوضى، ولا القلق إلى شائعات. الناس تمضي إلى أعمالها، الأطفال يذهبون إلى الحدائق في ظل عطلة الربيع المدرسية، والحياة تستمر بإيقاع طبيعي يكاد يكون رسالة بحد ذاته أن الاستقرار ليس صدفة، بل نتيجة رؤية طويلة صنعت مجتمعاً يثق بدولته كما يثق الإنسان ببيته.

ما يدهشني بعد ربع قرن من العيش في الإمارات، أن العلاقة بين الدولة وسكانها، مواطنين ومقيمين، لا تقوم على الحدود القانونية فقط، بل على شعور عميق بالمساواة في المصير. حين تُتخذ إجراءات الحماية، لا أحد يُسأل من أين أتى، بل فقط كيف يمكن حمايته هو وعائلته. في تلك اللحظات، تختفي كلمة "مقيم"، ويظهر معنى الإنسان والمجتمع و"البيت المتوحد".

ربما لهذا السبب تغيّر إحساسي تجاه الحرب نفسها. لم أعد أراها صراعاً، بل اختباراً لوفاء المكان لمن يعيش فيه ووفاء من يعيش فيه للمكان. وأقولها بصدق لا يحمل مبالغة: لو طُلب مني أن أقف بين الجنود الإماراتيين دفاعاً عن هذه الأرض، لما ترددت لحظة. ليس بدافع الحماسة العابرة، بل بدافع الامتنان؛ امتنان لبلد منحني الأمان حين اهتز العالم، ومنح أطفالي شعوراً بأن المستقبل ممكن حتى في زمن الصواريخ.

الأزمات تكشف معدن الدول، لكنها تكشف أيضاً علاقة الإنسان بها. والإمارات، في هذه اللحظة المضطربة من تاريخ المنطقة، لا تبدو مجرد دولة تدافع عن سمائها، بل مجتمعاً كاملاً يحرس فكرة الحياة الطبيعية وسط العاصفة.

لهذا، تبدو الأزمة في الإمارات مختلفة. فهي موجودة في الأخبار، لكنها لا تسكن القلوب. لأن الطمأنينة، حين تصبح سياسة ونهجاً وثقافة، أقوى من أي صاروخ وأبقى من أي حرب.

مواضيع قد تهمك