الأخبار

حسن فهد ابو زيد : أهمية الواقعية في التحليل بعيداً عن العاطفة ودورها في تعزيز الثقة

حسن فهد ابو زيد : أهمية الواقعية في التحليل بعيداً عن العاطفة ودورها في تعزيز الثقة
أخبارنا :  

في عالمٍ ملتهب بالصراعات، ولا سيما في منطقة الشرق الأوسط، حيث تتسارع الأحداث السياسية والعسكرية والإعلامية بشكل لافت، تبرز الحاجة الملحّة إلى التحليل الواقعي والمنطقي المبني على الخبرة والمعرفة، بعيداً عن العاطفة أو السعي لتحقيق مكاسب ومواقف آنية. فمثل هذا التحليل يشكّل أداة أساسية لفهم الحقائق وتقدير المواقف بدقة وموضوعية.
إن الثقة التي تُبنى بين المحلل أو الكاتب وجمهوره لا تأتي من الخطاب الانفعالي، بل من القدرة على نقل الواقع كما هو، استناداً إلى المعطيات والوقائع على الأرض، بعيداً عن التوجيه أو التأثر بالعاطفة أو المصالح الخاصة. فالجمهور يبحث دائماً عمّن يقدّم قراءة متزنة وموضوعية للأحداث، لا عن من ينساق خلف الانفعال أو التمنيات.
وغالباً ما يقود التحليل القائم على العاطفة وحدها إلى استنتاجات متسرعة أو قراءات غير دقيقة، ما قد يضعف الثقة بالمصدر أو الجهة التي تقدّم هذا التحليل. في المقابل، يعتمد التحليل الواقعي على الوقائع والمعطيات الموضوعية، ويوازن بين مختلف العوامل المؤثرة في الحدث، بعيداً عن المشاعر المؤيدة أو المعارضة. وهذا ما يجعل صاحبه محل اهتمام وثقة لدى الجمهور في نقل الخبر أو إيصال الرسالة كما تعكسها المعطيات الفعلية على الأرض، وهو أمر ينطبق على مختلف وسائل الإعلام، المقروءة والمسموعة والمرئية.
إن الواقعية في التحليل تعني قراءة الأحداث كما هي، لا كما نرغب أو كما يريد الآخرون أن نراها. فهي تقوم على دراسة موازين القوى، والظروف السياسية، والاعتبارات الاستراتيجية، وتطورات الميدان، بعيداً عن الانفعال أو التمنيات. فالعاطفة قد تدفع أحياناً إلى تضخيم الانتصارات أو التقليل من حجم التحديات، بينما تمنح الواقعية رؤية أكثر اتزاناً وموضوعية.
كما يسهم التحليل الواقعي في تعزيز الثقة بين الكاتب أو المحلل أو الوسيلة الإعلامية من جهة، والجمهور من جهة أخرى. فعندما يلمس القارئ أو المتابع أن التحليل يستند إلى منطق واضح ووقائع ملموسة، بعيداً عن المبالغة أو الخطاب الانفعالي، فإنه يثق أكثر بالمحتوى المطروح ويعتبره مرجعاً لفهم ما يجري من حوله.
وفي المقابل، فإن الواقعية لا تعني غياب الموقف أو التخلي عن المبادئ، بل تعني إدراك حدود الإمكانات وفهم طبيعة التحديات. فالمواقف الوطنية والقومية قد تبقى ثابتة، لكن تحليلها وقراءتها يجب أن يقوم على فهم عميق للواقع، لا على ردود فعل عاطفية. كما أن نقل الواقع كما هو على الأرض ـ حتى وإن تغيّر بسرعة أو تقلبت فيه الموازين ـ لا يعني تقلب مواقف المحلل أو الوسيلة الإعلامية، بقدر ما يعكس التزاماً بنقل الحقيقة وتحديث القراءة وفقاً لتطورات الأحداث.
وفي ظل بيئة إعلامية تعج بالتضليل والشائعات، تزداد أهمية التحليل الواقعي كأداة لتوضيح الصورة وتبديد الالتباس. فالمحلل المسؤول لا ينجرف خلف الخطاب العاطفي أو الشعبوي، بل يسعى إلى تقديم قراءة متزنة تساعد الجمهور على فهم المشهد وتقدير المواقف بصورة عقلانية.
ومن الأمثلة على أهمية القراءة الواقعية للأحداث، التناقض الذي قد يظهر أحياناً في بعض الخطابات السياسية الدولية. فعلى سبيل المثال، قد يعلن أحد قادة الدول الكبرى أن قدرات دولةٍ ما قد انتهت أو أنها على وشك الاستسلام، بينما يُطلب في الوقت نفسه من دول أخرى التدخل للضغط عليها في قضايا استراتيجية حساسة، مثل ضمان حرية الملاحة أو أمن الممرات البحرية. مثل هذه التناقضات تفرض على المحلل قراءة الواقع كما هو على الأرض، لا الاكتفاء بترديد التصريحات السياسية مهما كان مصدرها.
وفي المحصلة، فإن الواقعية في التحليل ليست مجرد أسلوب في الكتابة، بل هي منهج في التفكير، يعزز المصداقية ويقوي الثقة بين الكاتب وجمهوره، ويسهم في بناء وعيٍ عام أكثر نضجاً وقدرة على التعامل مع تعقيدات الواقع. ولعل ما نحتاجه اليوم أكثر من أي وقت مضى هو الاتزان والجرأة في نقل الأحداث كما تبدو في حقيقتها، لا كما نريدها أو نتمنى أن تكون.

مواضيع قد تهمك