فراس النعسان : في حضرة القطائف تتوارى الفضيلة
لا أبالغ إذا قلت إنه لا يبدأ شهر الصوم لدينا برؤية الهلال، بل برؤية صحن القطائف. وحين تعلن المدافع الإفطار، لا يتجه البعض إلى السماء شكراً على يومٍ أُنجز، بل إلى المائدة لتفقد ما إذا كانت «الحشوة» قد بلغت حدّها الأدنى من الجوز والجبن، أو ما إذا كان سعر الكيلو قد تجاوز السقف الأخلاقي للضمير الغذائي.
رمضان عندهم ليس موسماً روحياً بقدر ما هو معرض دولي للأطعمة المحشوة: لحوم محشوة، معجنات محشوة، بطون محشوة، وجيوب.. فارغة. إنه شهرٌ تتحول فيه المعدة إلى مركز ثقل الكون، وتدور حولها قوافل العروض والخصومات، بينما تتوارى فكرة الصوم خلف دخان الشواء، كأنها ضيف خجول في حفلة صاخبة.
تتبارى نشرات الأخبار في إحصاء أسعار اللحم والقطائف والتمر، كما لو أننا أمام بورصة عالمية، وكل ارتفاعٍ طفيف في سعر العجوة يُعلن كأزمة جيوسياسية. وفي المقابل، ثمة بشرٌ لا يعرفون الفرق بين سعر الأمس واليوم، لأنهم ببساطة لم يذوقوا منذ الأمس شيئاً يُقاس. هؤلاء لا يعنيهم إن كان رمضان في شعبان أو في شوال؛ فالصوم عندهم ليس موسماً، بل إقامة دائمة.
المفارقة أن الشهر الذي شُرّع ليذكّر الغني بجوع الفقير، أصبح مناسبة لعرض مهارات الطهاة ومقدرات الموائد. فالمائدة العربية في رمضان تشبه مائدة ملوكٍ عائدين من معركة: أطباق متراصة، صلصات متداخلة، وألوانٌ تفيض حتى حافة الطاولة. ثم يبدأ الأكل على عجلٍ كأن الإفطار سباق مئة متر، ينتهي غالباً بعبارة: «خفّفنا هذه السنة».
وفي الأسواق، تتحول القطائف إلى مؤشر ثقة المستهلك العربي: إن زاد الحشو زاد الرضا، وإن قلّ القطر تراجعت المعنويات. يساوم الزبون البائع على حبة إضافية، بينما تمرّ بجانبه عربة خضار يدفعها رجلٌ لا يساوم أحداً، لأنه يعرف أن السعر الحقيقي ليس على اللوحة، بل في الجيب.
حتى البرامج التلفزيونية تتواطأ مع هذا الكرنفال الهضمي: طهاة يبتسمون بثقة وهم يقلبون اللحم في مقلاةٍ تتسع لميزانية أسرة. أما الإعلانات، فتعدك بأن السعادة تكمن في قدر ضغطٍ جديد أو خلاطٍ أسرع، كأن الفرح جهازٌ منزليٌّ بضمان عامين.
رمضان، في جوهره، تمرين على الخفة: أن يخفّ الجسد من الشبع، والروح من الضجيج، واليد من التملك. لكننا حولناه إلى موسم زيادة وزنٍ وشراءٍ مفرط، ثم نستغرب كيف يمرّ سريعاً. ربما لأننا لا نعيشه، بل نلتهمه. نلتهمه كما نلتهم القطائف: ساخنةً، محشوةً، مغموسةً في قطرٍ كثيف، ثم نقول بعد آخر لقمة: «رمضان خلص بسرعة».
وهكذا يتكرر المشهد في كل عام، والقطائف هي الرابح الأكبر.