اسماعيل الشريف يكتب : عدالة اجتماعية
ومَن لا يَظلِمِ الناسَ يُظلَمِ زهير بن أبي سُلمى.
قبل أيام، وبينما
كنت أتصفّح منصة إكس، شدتني تغريدةً لمعهد هامبتون، وهو مركز أبحاث فكري
يعرّف نفسه بأنه بروليتاري موجّه إلى الطبقة العاملة ومقرّه في الولايات
المتحدة. جاء في التغريدة:
«إذا لم تكن تحب أن يتم استغلالك كعامل أو مستأجر، فعليك أن تصبح أنت المستغِل: مالكًا أو صاحب عمل أو مالك عقار».
ثم
أوضحت التغريدة أن هذه هي العقلية الرأسمالية التي غُرست فينا منذ
الطفولة؛ عقلية تدفع الإنسان إلى استبدال موقع الضحية بموقع الجلّاد، بدلًا
من كسر دائرة الاستغلال ذاتها. وخَلُصت إلى أن الحل الحقيقي ليس أن نصبح
مستغِلّين، بل أن نضع حدًا لهذا الاستغلال أي للرأسمالية بشكل كامل.
تذكّرتُ
قصة كليب والذئب. كان كُليب بن ربيعة سيدًا قويًا في قومه، مشهورًا بحزمه
واعتداده، حتى قيل: لا يقترب مربعه أحدٌ إلا بسلاح. وتروي الروايات الشعبية
الرمزية أنه رأى يومًا ذئبًا قد هجم على غنمه، فأمسك بقوسه وهمّ أن يقتله،
فكلّمه الذئب ، قائلًا: «يا كليب، لا تقتلني. فأنا آكل من رزق الله، وإن
لم آكل غنمك اليوم، أكلتها ذئاب غيري غدًا، فالدنيا غابة: آكِل ومأكول».
فغضب كليب وقال كلمته الشهيرة: «إذا لم تكن ذئبا أكلت الذئاب» ثم قتله.
ويرى العرب في هذه اللحظة الشرارة العقلية التي جعلته متغطرسًا، ومنها بدأت
سلسلة الأحداث التي انتهت بمقتله هو نفسه على يد جسّاس، وباندلاع حرب
البسوس التي استمرت أربعين عامًا. وكانوا يقولون: «قتله ذئبٌ لم يكن ذئبًا»
أي قتله تفكيره الذئبي قبل أن يقتله غيره.
تربّينا على مقولتة: «إذا لم
تكن ذئبًا أكلتك الذئاب»، وقد كانت في سياقها التاريخي تعبيرًا واقعيًا عن
مجتمعٍ يعيش في البراري، ويواجه أخطار الحيوانات المفترسة وغارات القبائل
وحروب الغزو، في زمنٍ لم تكن فيه قوانين تنظّم حياة الناس وتحمي الضعفاء.
كان الإنسان مضطرًا حينها لأن يكون قويًا جسديًا وعقليًا ونفسيًا كي يحفظ
وجوده في عالم تحكمه القوة لا العدالة.
ثم تمدّنت المجتمعات، ووُضعت
القوانين التي تنظّم شؤون الناس وتحمي الأفراد وتوفّر لهم الأمان
والاستقرار. لكن الفكرة البدائية الهمجية بقيت كامنة في الذهنية العامة:
«إذا لم تكن ذئبًا أكلتك الذئاب». غير أن الذئب الحديث لم يعد حيوانًا
مفترسًا؛ بل صار اسمه الرأسمالية، أو إن شئت الحياة المدنية المعاصرة. فإذا
لم يكفِ راتبك، قيل لك: ابحث عن وظيفة أخرى، أو عن عملٍ براتب أعلى. وإن
أردت النجاة، اصعد إلى طبقة مالية أعلى، لتصبح أنت الذئب لا الحمل. ويُقال
لك أيضًا: ارجع إلى عشيرتك وعائلتك، وابذل جهدًا لتبني شبكة علاقات واسعة
تحميك وتستفيد منها كأن البقاء لم يعد لقوة الحق، بل لحق الأقوى. ولخّصت
هذه العقلية الوجود في ثنائية قاسية: إما أن تكون المطرقة أو أن تكون
السندان؛ القاهر أو المقـهور؛ الضارب أو المضروب؛ في منطقٍ لا يعترف
بإنسانية مشتركة، بل يقدّس القوة ويحتقر الضعف.
لكن من المستحيل أن يكون
كل الناس ذئابًا؛ فالحياة لا يمكن أن تستقيم على هذا الأساس. فالكون قائمٌ
على التمايز، والسنن الكونية مبنية على التدافع لا الافتراس. وقد عبّر
القرآن الكريم عن هذه الحكمة بقوله تعالى: «وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ
النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ»
وهذا الدفع ليس
ظلمًا ولا افتراسًا، بل ميزانٌ عادل يحفظ التوازن ويمنع الفساد، ليبقى
الإنسان إنسانًا لا ذئبًا مفترسًا ولا فريسة مكسورة.
قبل أن تفترس
أحدًا، تذكّر أن الوظائف ليست طبقات استغلال، بل تكاملُ أدوار. فصاحب العمل
يحتاج إلى موظفين، والمزارع يحتاج إلى طبيب، وصاحب الأرض يحتاج إلى
مزارعين، والمصنع يحتاج إلى سائقين يسلّمون البضائع. لا ينهض المجتمع
بالقوة المنفردة، بل بتشابك الأيدي وتكامل الجهود. كما أن النجاح ليس محض
ذكاء ولا قوة ولا عبقرية فردية؛ بل هو أولًا توفيق من الله، ثم سعيٌ وأخذٌ
بالأسباب. ولا أحد يبقى ذئبًا إلى الأبد، ولا أحد يبقى حملًا إلى الأبد؛
فالدنيا دوّارة، والقدرة والقوة والمال والمكانة كلها تتقلب بين الناس ولا
تستقر لأحد. فاتقوا الله في الناس، فالغلبة لا تدوم، والإنسانية هي
الباقية.
ولو سألتني: ما هي أولوية الأولويات، واستراتيجية
الاستراتيجيات؟ لأجبت بلا تردّد وبصوت واحد: العدالة الاجتماعية. فهي الجذر
الذي تنبت منه الحرية والكرامة والازدهار، وهي الميزان الذي تستقيم به
الحياة. فإذا غابت تحوّل الناس إلى ذئاب، وتحوّل العالم إلى غابة.ــ الدستور