الأخبار

حسام عايش : النحاس... نفط الأردن الرقمي

حسام عايش : النحاس... نفط الأردن الرقمي
أخبارنا :  

أصبح معدن النحاس مورداً استراتيجياً للتحول نحو الطاقة المتجددة، والذكاء الاصطناعي، وصناعة السيارات الكهربائية، وإعادة التسلح، والبنى التحتية للشبكات الذكية، حيث ينظر إليه باعتباره نفط الاقتصاد العالمي في القرن الحادي والعشرين تماما كما كان النفط عنوان القرن العشرين.
فطن واحد منه يكفي لتشغيل نحو اربعين سيارة كهربائية،او تصنيع آلاف الهواتف الذكية، او ربط ثلاثين منزلا بشبكات الكهرباء الحديثة، ومع تسارع الطلب العالمي على الكهرباء النظيفة، وتوسع مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، اصبح النحاس شرطا مسبقا لاستمرار التحول الرقمي.
تشير التقديرات، الى ان الطلب العالمي على النحاس قد يرتفع بما يقارب 25 ٪بحلول عام 2035، وبزيادة سنوية تقارب 8 مليون طن، ليصل اجمالي الطلب الى أكثر من 42 مليونا سنويا، في وقت تواجه فيه المناجم القائمة تراجعا في الانتاجية، وتواجه المناجم الجديدة تكاليف رأسمالية ضخمة، وتعقيدات بيئية وتنظيمية، تجعل تطويرها يستغرق عقدا كاملا او اكثر، ما ينذر بعجز نحاسي طويل الأمد في السوق العالمية.
في قلب معادلة النحاس هذه يبرز الاردن كصاحب فرصة استراتيجية في مجال تعدين واستثمار النحاس، حيث التقديرات الرسمية تظهر وجود احتياطيات كبيرة في وادي عربة وبتراكيز مجدية اقتصاديا تتراوح بين 20 و30 مليون طن، مع تقديرات بالاحتياطي 45 مليون طن، ما يضع الاردن ضمن الدول الواعدة عالمياً في هذا المعدن الحيوي.
هذا الاحتياطي، ووفق احتسابات اقتصادية، وبافتراض وجود 25 مليون طن قابل للاستخراج منه ، فان القيمة الاجمالية له وعند سعر 10000 دولار للطن تقارب نحو 250 مليار دولار، وبسعر 12000 دولار للطن نحو 300 مليار دولار، وسعر 15000 دولار للطن-كما تشير بعض التوقعات للسنوات المقبلة- تتجاوز القيمة الاجمالية 375 مليار دولار، دون ان يشمل ذلك المعادن المصاحبة، او القيمة المضافة للصناعات التحويلية.
وعليه، فإن العائد المباشر للحكومة -بافتراض استثمار كامل الاحتياطيات النحاس على مدى عمر مشروع تعدينه حسب اتفاقية التعدين- ومن الاتاوة وحدها بنسبة 3 ٪ من الايرادات الاجمالية قبل احتساب التكاليف، سيبلغ وفق متوسط سعري عام، نحو 9 مليار دولار –وعند 10 ٪ نحو 30 مليار دولار- يضاف الى ذلك الضرائب التي تشكل 31 ٪ من صافي الارباح والتي يمكنها رفع العائد الحكومي بين 20 و25 مليار دولار بافتراض بقاء نسبة الاتاوة 3 ٪ فقط.
هذه الارقام، ورغم اهميتها-وهي على سبيل التقدير- لا تظهر جوهر استثمار النحاس الذي لا يكمن في حجم العائد فقط، بل في طبيعة الاتفاقية التعدينية المنظمة لهذا العائد، خصوصا مع تحول النحاس الى معدن سيادي بامتياز، يمس امن الطاقة، والتحول الرقمي، والموقع الجيوسياسي للدول.
وهو ما تعاملت معه دول رئيسية منتجة له كتشيلي وبيرو وزامبيا ومنغوليا، حيث اعتمد بعضها نسب اتاوات تصاعدية أعلى ترتبط مباشرة بسعر النحاس العالمي، وتمنح الدولة في بعض الحالات حصة ملكية مباشرة، او خيار الدخول كشريك استراتيجي عند ارتفاع الاسعار او توسع الانتاج، في حين تبدو الاتفاقية الاردنية متحفظة نسبيا من حيث العائد قياسا بالطبيعة الاستراتيجية للمعدن.
كما ان أفضل الممارسات الدولية تشدد على ضرورة وجود نصوص تفصيلية دقيقة تغلق اي ثغرات تفسيرية متباينة، وتحدد بشكل صريح كيفية احتساب التكاليف، والسعر المرجعي، والانتاج التجاري، والالتزامات الزمنية، والجزاءات المترتبة على الاخلال بها، لان التحكيم الدولي لا يعترف الا بالنصوص الواضحة الصارمة.
ايضا، تبرز مسالة الملاءة المالية للمستثمر بوصفها عنصرا حاسما وجوهريا، فمشاريع النحاس تتطلب استثمارات رأسمالية ضخمة، وقدرة على تحمل دورات سعرية طويلة، واي تعثر مالي قد يؤدي الى تجميد المورد، او فرض اعادة تفاوض مكلفة على الدولة، ولهذا تشترط الاتفاقيات المتقدمة اثبات القدرة التمويلية، والسجل التشغيلي، وربط مراحل التطوير بضمانات مالية حقيقية قابلة للتنفيذ.
يفرض النظر الى النحاس باعتباره نفط الاقتصاد العالمي الجديد، ان تكون الحكومة صاحبة الكلمة العليا في ادارته، وان تتضمن اي اتفاقية تعدين اليات مراجعة دورية وشروطا تصاعدية تلقائية للعوائد مع ارتفاع الاسعار، وربطا واضحا بجداول زمنية وجزاءات، وان تفتح المجال لمشاركتها بشكل مباشر او غير مباشر في القيمة المضافة، وعدم الاكتفاء بالحصول على الاتوات والضرائب.
ففي عالم يتجه بسرعة نحو اقتصاد تحكمه الاسلاك والكابلات بقدر ما تحكمه الخوارزميات، فإن حسن إدارة ثروة النحاس سيحدد ما اذا كان الاردن سيبقى مزود خام او يتحول الى لاعب استراتيجي في سلاسل القيمة العالمية للنحاس. ولهذا فإن تجويد اتفاقية تعدين النحاس، ضرورة استراتيجية لضمان تعظيم العائد لخزينة الدولة، وحماية حق الاجيال القادمة في واحدة من اهم ثروات الأردن في القرن الحادي والعشرين.

مواضيع قد تهمك