د.ر علي عبد السلام المحارمة : الاقتصاد والسياسة في زيارة الملك للصين
على ضوء أحداث المنطقة وصراعاتها وتحالفاتها، وبعيدا عن غمام حروبها، يحفل جدول جلالة الملك في الصين بالعديد من الأنشطة والفعاليات، حيث تجسّد زيارته التاسعة لبكين فرصة متجددة لتقديم الخطاب السياسي الحكيم والرصين الذي تفتقده المنطقة بشكل عام وتبحث عنه الصين لبناء شراكات موثوقة في سياق سعيها لإبراز وتجسّيد المزيد من الأدوار وتوسيع أطر تأثيرها في المنطقة والعالم، وقبل ذلك وبعده تأتي الأولوية للملفات الاقتصادية التي توليها الصين الأهمية القصوى، وذلك في الفكر الاستراتيجي المركزي للدولة التي تدرك أن الاقتصاد يقود السياسة ويقود بالتالي التغيير المنشود في معادلات النظام الدولي وتوازناته.
وقد تضمنت مقابلة جلالة الملك مع وكالة «شينخوا» المركزية الصينية عدداً من المحاور التي تحاكي هذه العقلية الصينية، حيث سلّط الضوء على موقع ومكانة الأردن بمثابة بوابة موثوقة لولوج المنطقة العربية اقتصادياً، وكذا تسويق رقي الإنسان الأردني وقدراته؛ حيث تحدث بزهو عن الأيدي العاملة والعقول الأردنية الماهرة كعنصر مميز ومحفّز لجذب الاستثمارات الصينية للأردن، كما أضاء جلالته على فرص الصين الاستثمارية في الأردن وتوسيع التعاون المشترك بين البلدين في قطاعات مختلفة.
والأهم من ذلك، أن هذه المقابلة قدمت تشخيصاً عربياً موضوعياً حكيماً لقضايا المنطقة وأزماتها حينما أشار جلالته لمصدر كل أزمات المنطقة وصراعاتها وحروبها؛ وهو غياب الحل العادل والشامل للقضية الفلسطينية على أساس حل الدولتين، وهنا تصبح العقلية الصينية مدعوّة للفهم بأن مصلحة الصين القومية تقتضي إيجاد حل عادل للقضية الفلسطينية لتحقيق الاستقرار المنشود لاستكمال مشروعها الاقتصادي العالمي الذي تعمل عليه منذ عقود، وقد تضمن حديث جلالته دعوة للصين لزيادة دورها في المنطقة للمساهمة في إيجاد الحلول لقضاياها العالقة، وهذه الدعوة أيضاً تحاكي الطموحات الصينية بالمكانة الدولية التي تسعى لها.
ولا يمكن فصل سياق الزيارة الملكية للصين عن الإدراك العميق بأن مصالح الوطن وسيادته واستقلال قراره وإرادته تتجسّد بتنويع الخيارات وتعدد الشراكات وفتح أفق جديدة رغم قتامة المشهد في المنطقة وتفاعلاتها، وهذا ما يسعى له الملك دوماً.