اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

د. خالد العاص : الأردن والصين.. شراكة تواكب تحولات العالم

د. خالد العاص : الأردن والصين.. شراكة تواكب تحولات العالم
أخبارنا :  

لا تأتي أهمية زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى الصين من كونها زيارة إلى واحدة من أكبر دول العالم فحسب، وإنما من توقيتها ودلالاتها في مرحلة يعاد فيها تشكيل موازين الاقتصاد والسياسة الدولية. فالصين لم تعد قوة اقتصادية صاعدة يمكن التعامل معها باعتبارها طرفاً بعيداً عن دوائر التأثير، بل أصبحت لاعباً رئيسياً في التجارة والصناعة والتكنولوجيا والاستثمار؛ الأمر الذي يجعل بناء علاقة متوازنة معها جزءاً من حسابات الدول التي تبحث عن توسيع خياراتها وتعزيز قدرتها على مواجهة المتغيرات العالمية.

وفي الحالة الأردنية، تكتسب هذه العلاقة بعداً استراتيجياً، لأن تنويع الشراكات الاقتصادية لم يعد خياراً ثانوياً، بل أصبح ضرورة في عالم تتغير فيه الأسواق وسلاسل التوريد ومراكز الاستثمار بسرعة. والسياسة الخارجية الأردنية، بقيادة جلالة الملك، تقوم على توسيع شبكة العلاقات، بما يمنح المملكة مساحة أكبر للحركة ويعزز قدرتها على بناء شراكات تخدم مصالحها الوطنية.

وتقدم الصين نموذجاً لافتاً في التحول الاقتصادي، إذ تمكنت خلال عقود من الانتقال إلى موقع متقدم في الصناعة والتكنولوجيا والتجارة العالمية، مستندة إلى الاستثمار طويل الأمد في البنية التحتية والتعليم والقدرات البشرية والإنتاج. ولا يعني ذلك أن التجربة الصينية قابلة للنقل إلى الأردن كما هي، فلكل دولة ظروفها ومواردها ومسارها التنموي، لكن الاستفادة من الخبرة والتجربة تظل ممكنة، خصوصاً في المجالات التي تتقاطع مع أولويات الأردن.

ومن هذه الزاوية، فإن فرص التعاون بين البلدين تتجاوز التجارة التقليدية. فالأردن يمتلك موقعاً جغرافياً مهماً، وموارد بشرية مؤهلة، وصلات اقتصادية وتجارية واسعة في المنطقة، فيما تمتلك الصين قدرات كبيرة في التكنولوجيا والصناعة والتمويل والبنية التحتية. وهذا التكامل يمكن أن يفتح المجال أمام استثمارات نوعية، ونقل المعرفة، وتطوير الصناعات، وتعزيز الاقتصاد الرقمي، وربط الشركات الأردنية بسلاسل الإنتاج والأسواق العالمية.

كما تأتي الزيارة في وقت تتجه فيه الاقتصادات إلى تقليل مخاطر الاعتماد على عدد محدود من الأسواق والشركاء. ومن هنا، فإن توسيع الحضور الأردني في شرق آسيا، وتعزيز العلاقات مع الصين، يمكن أن يمنح الاقتصاد الوطني خيارات إضافية في مجالات التجارة والاستثمار والتكنولوجيا، دون أن يعني ذلك التخلي عن الشراكات القائمة مع أوروبا والولايات المتحدة والدول العربية وغيرها.

والأهم أن قيمة هذه العلاقة لا ينبغي أن تقاس فقط بحجم الاتفاقيات التي يمكن الإعلان عنها خلال الزيارات الرسمية، وإنما بما يمكن أن تنتجه من مشاريع واستثمارات وشراكات مستدامة. فالمطلوب هو الانتقال من العلاقات السياسية والاقتصادية إلى تعاون عملي ينعكس على الإنتاج والتصدير وفرص العمل ونقل الخبرات.

وتؤكد الزيارة في جوهرها أن الأردن يتعامل مع التحولات الدولية بعقلية توسيع الخيارات لا تضييقها، وأن بناء علاقات متوازنة مع مراكز القوة الاقتصادية الجديدة يمثل جزءاً من حماية المصالح الوطنية وتعزيز القدرة على المنافسة. وفي عالم تتغير فيه موازين القوة الاقتصادية بسرعة، فإن الدول الأكثر قدرة على صناعة مستقبلها هي التي تعرف كيف تنوع شراكاتها، وتستثمر موقعها، وتحوّل علاقاتها الدولية إلى فرص حقيقية للتنمية.

ــ الدستور


مواضيع قد تهمك