اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

م. عامر البشير : ثقة تُقاس لا تُوهب

م. عامر البشير : ثقة تُقاس لا تُوهب
أخبارنا :  

من تصويت النوايا إلى عقد برلماني تختبره النتائج..


حين تتشكّل حكومة جديدة في الأردن، تتقدم إلى مجلس النواب ببيان وزاري تعرض فيه رؤيتها وأولوياتها، ثم تطلب الثقة عليه. وهذا استحقاق دستوري واضح؛ فالمادة 53 من الدستور تلزم الوزارة بتقديم بيانها وطلب الثقة ضمن المدد والحالات التي حددتها، وتحصل عليها إذا صوّت لمصلحتها الأغلبية المطلقة من أعضاء مجلس النواب.


ليست المسألة، إذن، في حاجة الحكومة إلى الثقة؛ فهذا محسوم دستورياً. المسألة في المعنى الذي أعطيناه لهذه الثقة في ممارستنا السياسية. فهي تُمنح على أساس برنامج لم يُنفذ بعد، لكنها تُقدَّم أحياناً وكأنها شهادة مبكرة على كفاءة الحكومة ونجاحها.


عندما يصوّت النائب على البيان الوزاري، لا تكون بين يديه نتائج مكتملة يستطيع قياسها، بل وعود وتعهدات، بعضها واضح وبعضها يحتمل أكثر من تفسير. كما أن الحكومة لم تواجه بعد قيود الموازنة وتعقيدات الإدارة وصعوبة تحويل الخطاب العام إلى قرارات يشعر بها المواطن.


ومع ذلك، تنال الحكومة أعلى درجات التزكية السياسية في اللحظة التي تكون فيها معرفة المجلس بأدائها في أدنى مستوياتها.


شهادة قبل الامتحان


يغلب حسن النية على مواقف كثير من النواب عند مناقشة البيانات الوزارية. وقد يمنح النائب الحكومة فرصة للعمل حرصاً على الاستقرار، أو تقديراً للظرف العام، أو تجنباً لأزمة سياسية في بداية عهدها. وهذا موقف يمكن فهمه، لكنه لا يكفي وحده لبناء علاقة رقابية سليمة.


فالمشكلة ليست في منح الحكومة فرصة، وإنما في أن تتحول هذه الفرصة إلى شهادة نجاح لم تستحقها بعد، وأن يصبح التصويت الأول بديلاً عن المتابعة والمساءلة.


اختبرتُ هذه المسألة بنفسي حين كنت عضواً في مجلس النواب السابع عشر، وكان موقفي المعلن حجب الثقة عن حكومة الدكتور عبدالله النسور. ولم يكن ذلك اعتراضاً لمجرد الاعتراض، ولا موقفاً شخصياً من رئيس الحكومة أو أعضائها؛ بل جاء استناداً إلى تقديري السياسي والرقابي لما طُرح آنذاك. فقد قدمت تحت القبة أسئلة ومقترحات محددة تتصل بالبرنامج والسياسات الحكومية، ولم أجد في الإجابات المقدمة ما يكفي لإقناعي بمنح الثقة.


لم أكن أطلب من الحكومة أن تقدم إنجازاً قبل أن تبدأ؛ فهذا غير منطقي. كنت أريد أن أعرف كيف ستفي بما تعهدت به، وما أولوياتها الفعلية، وهل تملك تصوراً واضحاً لتنفيذ ما ورد في بيانها.


صحيح أن النائب لا يملك عند التصويت نتائج يحاكم الحكومة عليها، لكنه يملك حق فحص برنامجها واختبار جديته وقدرتها على الدفاع عن خياراتها. وإذا بقيت الأسئلة الجوهرية بلا إجابات، يصبح منح الثقة أقرب إلى مجازفة سياسية منه إلى قرار رقابي مدروس.


وقد رسخت تلك التجربة لديّ قناعة بأن الثقة لا ينبغي أن تُمنح بدافع المجاملة، مثلما لا ينبغي أن تُحجب بدافع الخصومة. في الحالتين يجب أن يكون القرار معللاً، وأن يستطيع النائب الدفاع عنه أمام ناخبيه والرأي العام.


لكن سؤالاً ظل يرافقني: ماذا يحدث للأسئلة التي لا تجيب عنها الحكومة أثناء مناقشة بيانها؟ وأين تُحفظ تعهداتها؟ ومن يعود إليها بعد ستة أشهر أو سنة ليتحقق مما نُفذ منها؟


تستغرق مناقشة البيان الوزاري أياماً طويلة، ثم ينتقل المجلس إلى ملفات أخرى. وبعد سنة أو سنتين، قلّما نعود إلى البيان نفسه لنسأل: ماذا تعهدت الحكومة؟ ماذا نفذت؟ ما الذي تعثر؟ وهل كان التعثر مبرراً؟ والأهم: ماذا تغير في حياة الناس؟


لدينا مشكلة في الذاكرة المؤسسية؛ فما لا يُدوَّن في سجل واضح، ولا يرتبط بموعد ومسؤول ومؤشر، يضيع بمرور الوقت. وهكذا يتحول الزمن من فرصة ممنوحة للإنجاز إلى وسيلة للنسيان.


الثقة بداية لا خاتمة


لا يمكن، في ظل النص الدستوري القائم، تأجيل الثقة إلى ما بعد تنفيذ البرنامج. لكن ذلك لا يمنعنا من إعادة فهمها وتطوير ما يليها من ممارسة.


الثقة الأولى إقرار نيابي باستمرار الحكومة في تحمّل مسؤوليتها السياسية على أساس برنامجها. وليست حكماً نهائياً على نجاحها، ولا تفويضاً مفتوحاً حتى نهاية عمرها.


ولا أقصد بذلك إعادة التصويت على الثقة كل بضعة أشهر؛ فهذا قد يربك الإدارة ويجعل الحكومة أسيرة الحسابات النيابية اليومية. المطلوب أبسط وأكثر جدية: معلومات معلنة، ومواعيد ثابتة للمراجعة، ومساءلة حقيقية عندما يصبح الإخفاق جوهرياً أو متكرراً.


وتبدأ المعالجة من البيان الوزاري نفسه. فبدلاً من قائمة طويلة من العبارات العامة، ينبغي أن ترفق الحكومة بيانها بـ«مصفوفة التزام» تكون مرجعاً لها وللمجلس، وتتضمن الوضع القائم، والنتيجة المستهدفة، وموعد الإنجاز، والكلفة ومصدر تمويلها، والوزير المسؤول، والمؤشر الذي سيُقاس به التقدم.


لا يكفي، مثلاً، أن تقول الحكومة إنها ستعالج البطالة. عليها أن تحدد عدد فرص العمل الصافية التي تستهدفها، والقطاعات والمحافظات التي ستتوزع عليها، ومدى استقرارها ومتوسط أجورها، وما ستتحمله الخزينة مقابل توفيرها.


والأمر نفسه ينطبق على النقل العام. فالتعهد بتحسينه عبارة ترضي الجميع، لكنها لا تتيح محاسبة أحد. أما تحديد المناطق التي ستصل إليها الخدمة، وزمن الرحلة، ومستوى الالتزام بالمواعيد، وكلفة التنقل قياساً بدخل الأسرة، فيجعل التقييم ممكناً.


فالوعد الذي لا يحمل رقماً أو موعداً، ولا نعرف من المسؤول عنه، يظل وعداً مهما حسنت صياغته.


مساءلة بطابع أردني


لا يحتاج الأردن إلى استنساخ تجربة بعينها، لكن تجارب الدول الأخرى تفيدنا كإطار مرجعي. ففي بريطانيا تتابع اللجان البرلمانية إنفاق الوزارات وسياساتها، وتستدعي المسؤولين وتطلب منهم الأدلة. وفي كندا استُخدمت رسائل تكليف علنية لتحديد مسؤوليات الوزراء والتزاماتهم. والمطلوب بناء ممارسة تناسب نظامنا الدستوري وظروفنا السياسية، لا نقل نموذج جاهز من سياق مختلف.


ويمكن أن تبدأ المتابعة بتقرير تقدمه الحكومة بعد مئة يوم، يوضح ما شرعت فيه من قرارات وتشريعات وإجراءات. ومئة يوم لا تكفي للحكم على النتائج الكبرى، لكنها تكشف إن كانت الحكومة قد بدأت فعلاً، وإن كان فريقها يتحرك وفق أولويات مفهومة.


ثم تأتي مراجعة نصف سنوية يمثل فيها كل وزير أمام اللجنة النيابية المختصة، وتناقش التزاماته واحداً واحداً: ما أُنجز، وما يسير وفق الخطة، وما تعثر ويمكن تصويبه، وما تأخر من دون مبرر مقبول.


وقد تضطر الحكومة إلى تعديل بعض مستهدفاتها بسبب ظرف اقتصادي أو مالي أو سياسي. وهذا لا يعني الفشل بالضرورة، شرط أن تشرح سبب التعديل وكلفته وأثره. أما تغيير تعريف الهدف في منتصف الطريق حتى يبدو منجزاً، فهو يفرغ القياس من معناه.


وفي نهاية كل عام، يمكن عقد جلسة عامة مخصصة لتقييم البرنامج الحكومي، منفصلة عن مناقشات الموازنة والخطابات الموسمية، يعرض فيها رئيس الوزراء حصيلة العمل استناداً إلى بيانات قابلة للتحقق.


ولا يلزم أن تنتهي هذه الجلسة في كل مرة إلى تصويت جديد على الثقة، لكنها يجب أن تنتج موقفاً سياسياً واضحاً، وقد تقود، بحسب حجم الإخفاق، إلى تصويب برنامج، أو مساءلة وزير، أو إعادة النظر في قدرته على الاستمرار.


من الإنجاز إلى الأثر


من الأخطاء الشائعة في تقييم الحكومات الاكتفاء بعدّ المشروعات. فعلى سبيل المثال، قد يُعلن عن إنشاء ملعب رياضي، لكن السؤال هو: هل نُفذ وفق المواصفات والبرنامج المعلنين؟ وقد يُنجز طريق مدرج في الموازنة، لكن الأهم: هل انخفض زمن الرحلة وتراجعت الحوادث؟ وقد تُبنى مدرسة جديدة، لكن هل تحسن مستوى التعليم وانخفض التسرب؟ وقد يُفتتح مستشفى جديد، بينما يظل المريض ينتظر أشهراً للحصول على موعد.


المشروع هو ما نُفذ، والنتيجة هي التغيير المباشر الذي أحدثه، أما الأثر فهو ما استقر في حياة الناس. والحكومة التي تعلن عدد المباني والتشريعات والاتفاقيات من دون أن تقيس أثرها تقدم جزءاً من الصورة، لا الصورة كلها.


ولا يكتمل التقييم إذا انفردت الجهة التنفيذية بإنتاج الأرقام وتفسيرها؛ إذ تقتضي الرقابة الفاعلة وجود قدرة فنية مستقلة تساعد مجلس النواب ولجانه على قراءة الموازنة، وفحص كلفة البرامج، والتحقق من المؤشرات والنتائج.


ويمكن إنشاء مكتب متخصص داخل المجلس يعمل باستقلال مهني، من دون أن يحل محل الجهات الرقابية الأخرى. كما ينبغي إنشاء منصة عامة تعرض الالتزامات ومواعيدها وكلفها ونسب التقدم فيها، على أن ترتبط كل نسبة بدليل يمكن التحقق منه.


فعبارة «قيد التنفيذ» قد ترافق مشروعاً سنوات طويلة، وقد يُدرج مشروع ضمن المنجز لمجرد توقيع اتفاقية أو تشكيل لجنة، بينما لا يكون شيء قد تغير على الأرض.


ولمجلس النواب مسؤولية مقابلة؛ فعليه أن ينشر تقارير لجانه وتوصياته الرقابية وردود الحكومة عليها، وأن يبين ما أُغلق من الملفات وما بقي معلقاً. فالرقابة التي لا تنتهي إلى تقرير مكتوب تضيع في زحام الكلام، والتوصية التي لا يُحدد موعد للرد عليها يسهل تجاهلها.


الديمقراطية لا تعني إسقاط الحكومة كلما تأخر مشروع، لكنها لا تعني أيضاً أن تعمل الحكومة سنوات من دون ميزان واضح. وبين التسرع في إسقاط الحكومات ومنحها حصانة الصمت، توجد مساحة واسعة للمساءلة الجادة والمتزنة.


الإصلاح المطلوب لا يبدأ بإلغاء ثقة البداية أو تأجيلها على خلاف الدستور، بل بجعلها بداية لعقد سياسي حي؛ يمنح الحكومة حق العمل، ويلزمها في المقابل بكشف مسار التنفيذ، ويربط الإنفاق بالنتائج، ويمنح المجلس الأدوات اللازمة لفحص الأرقام ومساءلة المسؤول عن الانحراف.


عندئذ لن يبقى السؤال الوحيد: كم نائباً منح الحكومة ثقته؟


سيصبح السؤال الأهم: ماذا أنجزت الحكومة لكي تحافظ عليها؟


فالسلطة التنفيذية لا تصبح جديرة بالثقة لأنها أحسنت وصف نواياها، بل لأنها قبلت أن تُقاس. والثقة ليست مكافأة تُدفع مقدماً، أو شيكاً على بياض، كما أنها ليست سيفاً يُشهر فوق رأس الحكومة كل صباح. إنها عقد سياسي يبدأ بالكلمة، لكن الفعل وحده هو الذي يبقيه حياً.



مواضيع قد تهمك