أ. د. عادل الهاشم : السلطة بلا مساءلة .. بداية الانحراف الإداري
كما عكست بعض الوقائع التي تداولتها وسائل الإعلام في الآونة الأخيرة، فأن البناء لا يتصدع فجأة بل مع مرور الوقت اوحسب البنية التحتية والأساس الذي بُني عليه، فإن بعض المؤسسات لا تبدأ بالانهيار او الفوضى بقرار واحد أو مخالفة ، بل تبدأ بتنازل صغير أو استثناء يمر دون مساءلة للمخالفات لأسباب متنوعة ومع مرور الأيام تتراكم هذه الاستثناءات حتى تصبح واقعًا جديدًا وهنا تبدأ السلطة بالابتعاد عن غايتها الحقيقية، ويتحول المنصب من مسؤولية إلى وسيلة قد يُساء استخدامها باستغلال النفوذ والسلطة، وإلى أداة قد تُستخدم لخدمة المصالح الخاصة بدلًا من إنجاز العمل وتحقيق المصلحة العامة.
ولا تكمن المشكلة في منح المسؤول الصلاحيات ، بل في غياب الضوابط التي تضمن استخدام هذه الصلاحيات لخدمة المصلحة العامة. فالسلطة وُجدت لتسهيل الإنجاز وتحقيق أهداف المؤسسة، لكنها قد تتحول إلى مصدر للمشكلات والتجاوزات عندما تنفصل عن المسؤولية والمساءلة.
وفي الواقع الإداري ربما يبدأ الانحراف عادة بممارسات قد تبدو صغيرة في ظاهرها، فقد يبدأ بجمع تبرعات خارج الأصول النظامية، أو تنفيذ عمليات شراء مباشرة دون الالتزام بإجراءات المنافسة والعطاءات، ثم يتطور إلى توجيه بعض العقود أو العطاءات نحو مقربين أو معارف أو أصحاب علاقات شخصية، مستفيدًا من النفوذ الوظيفي أو التأثير في اللجان أو في مسارات اتخاذ القرار المتعلقة بشؤون العمل بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بما قد يؤثر في حيادية الإجراءات واستقلالية القرار. وقد تمتد هذه الممارسات إلى تشكيل اللجان أو التأثير في قراراتها بما يخدم نتائج محددة مسبقًا، فتفقد اللجان استقلاليتها وتتحول من أداة للرقابة إلى إجراء شكلي لا يحقق الغاية التي أُنشئت من أجلها. وقد أُثير في الآونة الأخيرة نقاش حول ممارسات من هذا القبيل في بعض المؤسسات، وهي إن ثبت وقوعها تمثل ممارسات فردية لا تعبر عن النهج المؤسسي، وتخالف الأنظمة والقوانين النافذة حيث ان تطبيق مبدأ المسألة بات حتميا وهذا ما نلمسه حاليا في ضل توجيهات القيادة الهاشمية متمثلة في دولة رئيس الوزراء جعفر حسان.
ولا تقف المشكلة عند الجوانب المالية أو الإدارية، بل تمتد إلى بيئة العمل نفسها فقد يتعرض بعض الموظفين الذين يعترضون على ممارسات غير سليمة أو يطالبون بتطبيق الأنظمة إلى التهميش أو الحرمان من بعض حقوقهم أو استبعادهم من بعض الأعمال ، فيتحول الاختلاف المهني إلى خلاف شخصي، وتصبح المساءلة وسيلة للضغط بدلًا من أن تكون أداة للإصلاح. وفي مثل هذه البيئات يفضل كثيرون الصمت، ليس لأنهم يوافقون على الخطأ بل لأنهم يدركون أن الاعتراض قد تكون كلفته أعلى من السكوت فيتسع المجال أمام التجاوزات والمشاركين ايضا وتضعف الرقابة الذاتية داخل المؤسسة.
فالسلطة لا تمنح صاحبها حق تجاوز الأنظمة، بل هي أمانة تقترن بالمسؤولية والعدالة والموضوعية في جميع القرارات بعيدًا عن أي اعتبارات شخصية. وكل صلاحية يجب أن يقابلها قدر مماثل من الشفافية والرقابة والمساءلة. فالمؤسسات القوية لا تعتمد على نزاهة الأشخاص وحدها، وإنما تبني أنظمة تجعل إساءة استخدام السلطة أمرًا بالغ الصعوبة، وتجعل القانون هو المرجعية التي يخضع لها الجميع دون استثناء.
ولهذا تؤكد أفضل الممارسات العالمية أن حماية المؤسسات لا تبدأ بعد اكتشاف المخالفة بل قبل وقوعها. فالوقاية الحقيقية تقوم على بناء منظومة حوكمة واضحة تحدد الصلاحيات والمسؤوليات، وتفصل بين السلطات الإدارية والمالية والرقابية، وتعزز استقلالية اللجان، وتمنع تضارب المصالح، وتضمن الشفافية في إجراءات الشراء والعطاءات، وتوسع الاعتماد على الأنظمة الرقمية التي تقلل التدخل الشخصي، مع تفعيل التدقيق الداخلي، وحماية المبلغين عن المخالفات، وتعزيز ثقافة النزاهة في جميع المستويات الإدارية. وعند ثبوت أي مخالفة، لا تقتصر المعالجة على مساءلة المسؤول وفق القانون، بل تمتد إلى مراجعة الإجراءات التي سمحت بوقوعها، ومعالجة الثغرات التي كشفتها، حتى لا تتكرر مستقبلاً، لأن نجاح أي مؤسسة لا يقاس بعدد المخالفات التي تكتشفها، بل بقدرتها على منع تكرارها.
ولهذا فإن الإصلاح يبدأ بترسيخ مبدأ واضح لا يقبل الاستثناء، حيث لا سلطة بلا مسؤولية، ولا مسؤولية بلا مساءلة. فهذه ليست شعارات إدارية، وإنما قواعد أساسية لحماية المال العام، وصون حقوق العاملين، وتعزيز الثقة بالمؤسسات، وضمان عدالة القرارات الإدارية.
وفي النهاية تبقى الرقابة الفاعلة لمؤسسات الدولة الرقابية والمساءلة العادلة صمام الأمان لأي مؤسسة وهما الضمانة الحقيقية لحماية المال العام وصون مقدرات الوطن ومنع استغلال السلطة. وعندما يكون القانون هو المرجع الأعلى ولا أحد فوق المساءلة تتحول السلطة إلى أداة للإنجاز وتترسخ الثقة بالمؤسسات وتبقى المصلحة العامة فوق كل اعتبار.
حمى الله الوطن ومقدراته وقيادته الهاشمية