د. هيفاء ابو غزالة : عندما تصبح المراقبة مسؤولية تاريخية
في بعض محطات التاريخ، لا يكون الاختبار موجهاً إلى الدول وحدها، بل إلى المؤسسات التي ترافقها، وإلى الأشخاص الذين تقع على عاتقهم مسؤولية اتخاذ القرار في أكثر اللحظات حساسية.
هكذا وجدت نفسي أمام واحدة من أكبر المسؤوليات في مسيرتي المهنية، عندما كلفني الأمين العام لجامعة الدول العربية، إلى جانب مسؤولياتي أميناً عاماً مساعداً، برئاسة بعثات الجامعة العربية لمراقبة الاستفتاء على الدستور والانتخابات الرئاسية والانتخابات البرلمانية في جمهورية مصر العربية عام 2014 ، في مرحلة كانت فيها الدولة المصرية تعيد صياغة مستقبلها .
لم تكن مراقبة الانتخابات المصرية بالنسبة لي مهمة عابرة في سجل العمل الدبلوماسي، ولا بنداً إدارياً ضمن جدول أعمال جامعة الدول العربية، بل كانت واحدة من أكثر التجارب عمقاً في مسيرتي المهنية، لأنها وضعتني أمام لحظة سياسية حساسة في دولة محورية بحجم مصر، وأمام مسؤولية عربية لا تحتمل التسرع أو الانحياز .
شعرت أنني لا أحمل اسمي الشخصي فقط، ولا أمثل موقعاً وظيفياً داخل مؤسسة عربية، بل أمثل ضمير العمل العربي المشترك في واحدة من أكثر ساحاته دقة. وأحمل اسم الاردن في قلبي . فمصر ليست دولة عادية في الحساب العربي، وأي استحقاق سياسي فيها لا يبقى شأناً داخلياً خالصاً، بل تتردد أصداؤه في المنطقة كلها.
دخلت التجربة وأنا أدرك أن مراقبة الانتخابات ليست الوقوف أمام صندوق اقتراع أو تسجيل عدد الناخبين في اللجان، بل هي قراءة شاملة للمشهد؛ من البيئة القانونية والسياسية، إلى جاهزية الإدارة الانتخابية، إلى انتظام الإجراءات، إلى حضور الناخبين، إلى قدرة الدولة على إدارة يوم انتخابي واسع بهذا الحجم من الانضباط والشفافية.
في القاهرة، كانت المهمة تبدأ قبل يوم الاقتراع بكثير. اجتماعات متواصلة، تنسيق مع الجهات المعنية، توزيع للفرق، مراجعة للملاحظات، وحرص شديد على أن تكون كل خطوة محسوبة. كنت أؤمن أن المراقب لا يملك ترف الانطباع السريع، ولا يجوز له أن يحكم بعينه وحدها، بل عليه أن يكتب ما يراه، ويوثق ما يسمعه، ويميز بين الحدث العابر والخلل الجوهري، وبين الملاحظة الإجرائية والحكم السياسي.
انتشرت فرق البعثة في عدد من المحافظات، بعد أن اعددت قاعة المراقبة للمتابعين المحليين ، وكانت التعليمات واضحة: الحياد أولاً، المهنية دائماً، والالتزام بما يجري على الأرض دون تهويل أو تقليل. فالتقرير الذي يصدر عن بعثة مراقبة عربية لا ينبغي أن يكون نصاً إنشائياً، بل وثيقة مسؤولة تحفظ للانتخابات قيمتها، وتحفظ للجامعة العربية هيبتها، وتحفظ للمواطن العربي حقه في أن تُقرأ تجربته بموضوعية.
ما بقي في ذاكرتي من تلك التجربة ليس فقط مشهد الناخبين أمام اللجان، ولا صناديق الاقتراع وهي تُفتح وتُغلق وفق المواعيد، بل تلك التفاصيل الصغيرة التي تكشف جوهر العمل العام: سيدة مسنّة تصر على المشاركة لأنها ترى في صوتها واجباً وطنياً، موظفون يقفون لساعات طويلة لإدارة العملية بهدوء، مراقبون يتنقلون بين اللجان حاملين ملاحظاتهم، وبلد بأكمله يحاول أن يعبر مرحلة دقيقة عبر صندوق الاقتراع لا عبر الفوضى.
تعلمت من تلك المهمة أن الانتخابات ليست يوماً واحداً، بل امتحان طويل للدولة والمجتمع والمؤسسات. هي اختبار لقدرة الإدارة على التنظيم، ولثقة المواطن في صوته، ولقدرة المرشحين والقوى السياسية على قبول قواعد المنافسة، ولقدرة المراقبين على أن يكونوا شهوداً أمناء لا خصوماً ولا شركاء في الصراع.
وكان التحدي الأكبر أن نكتب تقريراً لا يظلم ولا يجامل. تقريراً يقول الحقيقة بلغة دبلوماسية رصينة، يقدّر ما تم إنجازه، ويسجل ما يستحق المراجعة، ويفصل بين الموقف السياسي وبين التقييم المهني للعملية الانتخابية. فالمراقبة الانتخابية ليست منصة لإصدار الأحكام، بل مسؤولية لتقديم شهادة موثقة أمام التاريخ.
في تلك اللحظات أدركت أن العمل العربي المشترك لا يُقاس فقط بالقمم والبيانات، بل أيضاً بقدرته على الحضور المهني في المحطات المفصلية للدول العربية.
لقد كانت تجربتي في مراقبة الانتخابات المصرية درساً في الدبلوماسية الميدانية، وفي معنى الحياد النزيه، وفي قيمة أن تكون شاهداً على لحظة وطنية كبرى دون أن تفقد مسافتك المهنية. وكانت أيضاً محطة شخصية عزيزة، لأنها أكدت أن المرأة العربية قادرة على قيادة مهام دقيقة وحساسة في أكثر الملفات السياسية تعقيداً، وأن الثقة حين تُمنح للكفاءة تصبح مسؤولية مضاعفة لا امتيازاً عابراً.
خرجت من تلك التجربة أكثر إيماناً بأن الديمقراطية لا تُبنى بالشعارات، بل بالمؤسسات، وبالقانون، وبالإدارة الرشيدة، وبالمواطن الذي يذهب إلى صندوق الاقتراع وهو يشعر أن صوته جزء من مستقبل بلده. وخرجت أيضاً بقناعة أعمق أن مصر، بتاريخها وحجمها ومكانتها، ستبقى في قلب المعادلة العربية، وأن استقرارها ليس شأناً مصرياً وحده، بل ركيزة من ركائز الاستقرار العربي كله.
ما عشته في تلك المهمة لم يكن مجرد مراقبة انتخابات، بل مراقبة لحظة وطنية كبرى من الداخل؛ لحظة تختبر الدولة، وتكشف وعي المجتمع، وتضع المراقب أمام مسؤوليته الأخلاقية والمهنية. ولذلك ستبقى هذه التجربة حاضرة في ذاكرتي، لا بوصفها تكليفاً رسمياً فحسب، بل بوصفها شهادة على مرحلة، وعلى معنى أن يكون الإنسان شاهداًحين يطلب منه التاريخ أن يكتب ما رأى.