م. عامر البشير : الحقيقة التي نؤجلها
ليست الأزمات وليدة اللحظة… بل ثمرة حقائق عرفناها وأجلنا مواجهتها.
أشبّه تأجيل مواجهة المشكلات طبيبًا يعرف تشخيص المرض بدقة، لكنه يكتفي في كل مرة بوصف مسكن يخفف الألم، ويؤجل العلاج الحقيقي إلى موعد آخر, قد يهدأ الوجع مؤقتًا، لكن المرض يواصل تقدمه بصمت، حتى يبلغ مرحلة يصبح فيها العلاج أكثر صعوبة، وأكثر كلفة، وأقل قدرة على استعادة ما كان يمكن إنقاذه.
وهكذا هي الأوطان, فالأزمات لا تبدأ يوم تظهر نتائجها، بل تبدأ يوم نعرف أسبابها ثم نؤجل التعامل معها, فالحقيقة لا تصبح أقل أثرًا بتجاهلها، وإنما يمنحها الزمن مزيدًا من القوة، حتى تتحول من تحدٍّ يمكن احتواؤه إلى أزمة يصعب تجاوزها.
المرض لا الألم
ليست المشكلة في الأردن أننا نفتقر إلى العقول، أو نعاني شحًا في الخبرات، أو نعجز عن تشخيص التحديات؛ فالأفكار مطروحة، والدراسات تُنجز، والخبرات متوافرة.
لكن الانتقال من المعرفة إلى الفعل ليس دائمًا بالسرعة التي تتطلبها التحديات, وهنا تكمن المشكلة.
في كثير من الأحيان نعرف المشكلة جيدًا، لكننا نتأخر في مواجهتها، فننشغل بإدارة نتائجها أكثر من معالجة أسبابها، حتى تصبح كلفة الحل أكبر بكثير مما كان يمكن أن تكون عليه, وهذه ليست مسؤولية مؤسسات الدولة وحدها، بل ثقافة قد تتسلل إلى الإدارة، وإلى صناعة القرار، وحتى إلى سلوك المجتمع نفسه.
الأفكار فوق الأسماء
ومن أسباب تأجيل مواجهة الحقيقة أننا كثيرًا ما نربط قيمة الفكرة بصاحبها أكثر مما نربطها بجودتها, فنختلف حول الأشخاص أكثر مما نختلف حول الأفكار، بينما الأصل أن يحدث العكس, فالأمم التي تتقدم تنظر أولًا إلى الفكرة نفسها: هل تحل مشكلة؟ وهل تحقق مصلحة عامة؟
فإذا كانت الإجابة نعم، يصبح اسم صاحبها تفصيلًا لا جوهرًا.
وعندما تصبح الأفكار امتدادًا للأشخاص، يتحول النقاش إلى اصطفافات، وتضيع بين الولاءات حلول كان يمكن أن تصنع فرقًا حقيقيًا, لذلك يبدأ الإصلاح الحقيقي عندما تصبح الفكرة أقوى من اسم صاحبها، ويصبح معيار الاختيار هو الكفاءة والجدوى، لا القرب ولا الانطباعات المسبقة.
لغة العطش
ولعل ملف المياه يقدم أوضح الأمثلة على الحقيقة المؤجلة, فالأردن من أكثر دول العالم فقرًا بالمياه، وهذه حقيقة لم تكن يومًا مفاجئة، بل معروفة منذ عقود, ومع ذلك، فإن طبيعة هذا التحدي تفرض رؤية استراتيجية بعيدة المدى، تتجاوز إدارة العجز الموسمي إلى بناء أمن مائي مستدام.
والأمن المائي لا يتحقق بمشروع واحد، بل بمنظومة متكاملة: تنويع مصادر المياه وفي مقدمتها الناقل الوطني، والحد من الفاقد، وتحديث الشبكات، والتوسع في إعادة استخدام المياه المعالجة، وترسيخ ثقافة الترشيد بوصفها جزءًا من الأمن الوطني.
قد تبدو هذه الملفات متفرقة، لكنها في الواقع حلقات في سلسلة واحدة، وكل عام نتأخر فيه عن الاستثمار الاستراتيجي يرفع كلفة المعالجة في المستقبل، بينما يبقى التخطيط المبكر أقل كلفة وأكثر أثرًا.
إطفاء الحرائق لا يبني وطنَاً
ولعل أكثر ما تحتاجه الدولة اليوم ليس مزيدًا من اللجان أو الدراسات، بقدر ما تحتاج إلى شجاعة اتخاذ القرار المبني على المعرفة، والاستمرار في تنفيذه حتى وإن تأخرت ثماره، فالقرارات الكبرى لا تُقاس بردود الفعل في أسبوعها الأول، وإنما بما تصنعه بعد سنوات.
ولا يعني ذلك التقليل من الإنجازات التي تحققت، أو تجاهل الظروف الاقتصادية والإقليمية المعقدة التي يواجهها الأردن. على العكس، فإن الاعتراف بهذه الظروف يجعل الحاجة إلى التخطيط البعيد أكثر إلحاحًا، فقوة الدول لا تُقاس بقدرتها على احتواء الأزمات فحسب، بل بقدرتها على التعلم منها، ثم تحويلها إلى فرصة لإعادة البناء وصياغة سياسات أكثر كفاءة واستدامة.
ثمن الحقيقة المؤجلة
إن النقد ليس نقيض الانتماء، بل أحد أرقى صوره، والإصلاح ليس مشروع حكومة وحدها، ولا مسؤولية مؤسسة بعينها، بل ثقافة تبدأ من الفرد، وتمتد إلى المجتمع، ثم تنعكس على مؤسسات الدولة، وعندما يصبح الاعتراف بالخطأ فضيلة، والمراجعة ممارسة، والتقييم عادة، تبدأ رحلة الإصلاح الحقيقي.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن نسبق به كل أزمة:
هل نمتلك في الأردن شجاعة مواجهة الحقيقة اليوم؟
فالأوطان، مثل الإنسان، لا يرهقها المرض بقدر ما يرهقها تأجيل علاجه.
ولذلك لا تبدأ الأزمات حين تقع، بل حين نؤجل الحقيقة لأول مرة، أما النهاية، فهي تشبه بدأنا به تمامًا: الطبيب الذي يكتفي بتسكين الألم لا يؤجل المرض… بل يؤجل لحظة الاعتراف بأنه كان يعرف العلاج منذ البداية