رمزي الغزوي : حرير الطيران
في كلِّ موسمِ توتٍ أستعيدني فراشةً، ينزُّ من جناحيها غناءٌ رخي كالحرير. ومع كلِّ حبةٍ أتذوقها الآن؛ أتحسّسُ صفعاتِ الخياطة على ظهر يدي، فأنفلت منها لأطير من جديد.
بعد عقودٍ طويلة وبعيدة ما زالت تلك الصفعة تُشعرني بسخونةِ دمي الفوّار. فأغمض عيني على دمعةٍ باردة تواسيني وتلملم وجعي وتقول هامسة لا بأس عليك أيها الولد الكبير، فالتوت أجنحةٌ عابرة للجدران.
الطفل الذي كنتهُ ذو الخمسة أعوام، قصدَ برفقةِ خالتهِ بيتَ الخياطة، وقد كان متخماً بالورودِ والأزهارِ، فقمت ألاعبني حين وجدتني وحيدا في الحوش، وهي تنهمك في ماكنتها المزعجة الناخرة، لكنّها كانت تتوقف وتنهرني بشررِ عينيها وتحذّرني ألّا أقرب من وردها، فحديقتها أغلى عندها من خمسة أولادٍ.
الولدُ الذي حاكى الفراشة، لما قبّلتْ الزهرةَ وطارت بعيدا. الولدُ أخذته قفزةٌ ثانيةٌ مجنونةٌ كسرت كبيرةَ الوردات دون قصد منه أو لربما قصد أن يؤلم الخياطة التي فزت من وراء ماكنتها وهجمت عليه كمن فقدت وحيدها؛ لتصفعهُ غيرَ آبهةٍ أنّهُ جرحَ جناحهُ بسقوطهِ المريع.
لم يكن يتسلح إلا بالبكاء الناشق وبكمٍّ كبيرٍ من الوعيدِ أن يفتك يوماً ما، بورودها وزهورها وشجرة ليمونها، وحتى بأولادها الأوغاد، وألّا يبقي غصناً أخضرَ في حديقتها القبيحةِ، كالثوبِ الذي تخيطهُ الآن. بكى الولد العفريت ليس لأنّ الصفعات وخزت دم يده، بل لأنّهُ فشل أن يغدو فراشة تعبر سحابات الورود وتحلق في البعيد.
وحين يلين قلبُ الخياطةِ تقومُ تراضيه بالكلمات واللمسات، وهو يصدُّها ويردُّها، ثم تعرضُ عليه فسيلةَ توتٍ في آصص صغير؛ فيرضى بنصفِ بسمة ويأخذها مع جرحهِ الأحمرِ؛ ليزرعَها أبوه في صخرة عند عتبة البيت.
يكبران معاً: الولدُ والتوتةُ. يكبر لتربكهُ أحلامهُ المشاكسة وتسقطه أكثرَ من مرةٍ في حبِّ ورودٍ لا تعرف معنى للطيران، ورودٍ كانت تتكسّر مع أول قبلة أو غمزة عين. ولهذا صار في كل موسمٍ يهمس في قلب شجرته الكبيرة في باحة بيتهم الكبير:
يا دمَ حلمي كوني شهيّةً للآكلين، وملاذاً للعصافير، ومنصّة للأولاد الحالمين بطيران يكسِّرُ الجدران ويجتاز الحيطان.