د. حمد الكساسبة : اقتصاد الأزمات في الشرق الأوسط: فهم المرحلة القادمة
يتجه اقتصاد الشرق الأوسط اليوم للعمل في بيئة تتسم بدرجة متزايدة من التعقيد وعدم اليقين، في وقت تشهد فيه المنطقة مستويات متزايدة من عدم الاستقرار. ولم تعد التوترات مجرد أحداث عابرة، بل أصبحت جزءًا من المشهد الاقتصادي، كما تحولت الأزمات إلى عامل مستمر يعيد تشكيل البيئة الاقتصادية، ويدفع الدول والشركات إلى إعادة النظر في طريقة التعامل معها.
وعلى هذا الأساس، لم يعد من المناسب التعامل مع هذه الظروف بوصفها حالات استثنائية يعقبها استقرار واضح، بل كواقع متكرر يتطلب قدرة أكبر على التكيف. ومع تراجع وضوح فترات الاستقرار، تبرز الحاجة إلى تبنّي سياسات أكثر مرونة قادرة على الاستجابة للتغيرات المتسارعة، وهو ما يعكس تحولًا في طريقة إدارة الاقتصاد.
وفي هذا السياق، بدأت القرارات الاقتصادية تتغير بشكل تدريجي، سواء على مستوى الدول أو الشركات. فلم تعد الكلفة والعائد وحدهما كافيين، بل أصبح التركيز يتجه نحو القدرة على الاستمرار في بيئة متقلبة، كما أصبح المستثمرون يولون أهمية أكبر للاستقرار النسبي ووضوح البيئة الاقتصادية.
وانعكس هذا التوجه على سلاسل الإمداد، التي لم تعد تعتمد فقط على الكلفة، بل أصبحت تأخذ في الحسبان مستوى الأمان والاستقرار. ونتيجة لذلك، بدأت بعض الأنشطة الاقتصادية بالانتقال داخل المنطقة وبين الدول وفقًا لمستوى المخاطر، وهو ما يشير إلى تغير تدريجي في الخريطة الاقتصادية.
وفي ضوء ذلك، يتغير مفهوم الاستقرار نفسه. فلم يعد يعني غياب الأزمات، بل القدرة على العمل ضمنها، وهو ما يعكس انتقال المنطقة إلى مرحلة تقوم على إدارة عدم الاستقرار، لا انتظار انتهائه. كما تؤكد التجارب الدولية أن الأنشطة الاقتصادية تميل إلى التوجه نحو البيئات الأكثر استقرارًا، حتى وإن لم يكن هذا الاستقرار كاملًا.
وانطلاقًا من هذا الفهم، تبرز الحاجة إلى تبنّي مقاربات متوازنة للتعامل مع هذه المرحلة، تقوم على تعزيز الاستقرار الداخلي، ورفع كفاءة إدارة الموارد، وتوفير بيئة اقتصادية أكثر وضوحًا وقابلية للتنبؤ، بما يدعم استمرارية النشاط الاقتصادي ويعزز القدرة على التكيف.
وفي هذا السياق، يبرز تساؤل حول المسار الذي يتجه إليه اقتصاد الشرق الأوسط، وما إذا كان سيعود إلى نمط الاستقرار السابق، في وقت تشير فيه المعطيات إلى اتجاه المنطقة نحو واقع أكثر تعقيدًا وتداخلًا. ومن هنا، يصبح الأهم فهم طبيعة المرحلة القادمة، بدل انتظار عودة سريعة إلى ما كان عليه الوضع سابقًا.
وفي المحصلة، تمر المنطقة بمرحلة دقيقة تتطلب التوازن بين التكيف مع الظروف والعمل على تحسينها. ورغم أهمية التكيف، يبقى الأمل قائمًا بأن تنتهي حالة عدم الاستقرار في أقرب وقت ممكن، لما لذلك من أثر إيجابي على الاقتصاد والمجتمع. لكن إلى أن يتحقق ذلك، فإن المرحلة المقبلة قد لا تكون لمن ينتظر، بل لمن يفهم طبيعة المرحلة ويتحرك في الوقت المناسب.