الأخبار

رمزي الغزوي : أصنام أخرى

رمزي الغزوي : أصنام أخرى
أخبارنا :  

نحب في الغالب أن نصدق أننا نفكر بحرية، وأن آراءنا خرجت من عقولنا كشرارة من حجرين. غير أن الأمر أقل مما نتخيل. فالأفكار التي ندافع عنها بثقة، والمخاوف التي تسكننا، واليقينيات التي نحملها كحقائق نهائية، لربما لا تكون كلها من صنعنا، إنما وصلتنا عبر أصوات سبقتنا، واستقرت في وعينا حتى غدت جزءا من تكويننا.
نولد أحرارا، غير أننا لا نعيش كذلك دائما. فمنذ اللحظة الأولى تبدأ تلك الأصوات بالهمس في آذاننا: بماذا نؤمن، وكيف نفكر، وما الذي ينبغي أن نخافه أو نقدسه. نكبر داخل قوالب صماء نألفها حتى نظنها الحقيقة ذاتها. ومع مرور السنوات يتعزز في داخلنا شعور مريح بأن وعينا مكتمل ناضج، وأن لنا رأيا مستقلا. غير أن المشهد حين ينظر إليه من مسافة كافية يبدو مختلفا. فنحن في كثير من الأحيان مجرد مؤدين في عرض طويل، على خشبة مسرح شيّده الأقدمون، وتوارثناه جيلا بعد جيل دون أن نجرؤ على مراجعتها أو مساءلة سطورها.
هذا ما سماه فرنسيس بيكون "صنم المسرح"، وهو في نظره أخطر الأصنام الأربعة التي تعثر العقل البشري عبر العصور. خطورته لا تأتي من قدرته على الخداع فحسب، إنما من مهارته في ارتداء ثياب الحكمة والمعرفة. إنه تلك السلطة الرمزية التي تخضعنا أحيانا باسم الفلسفة، وأحيانا باسم التراث، وأحيانا باسم العلماء والأئمة والمشاهير. إنه الرأي الذي نتردد في مناقشته لأنه خرج من أفواه نظنها معصومة، حتى عندما يصطدم مع الواقع أو مع العلم أو مع منطق العقل.
وصنم المسرح لا يقف وحيدا فوق الخشبة، إنما يتحرك إلى جواره صنم آخر يعمّق الجهل الجماعي هو "صنم السوق". ذلك الضجيج الفكري الذي يتولد حين تتنقل الأفكار بين الأسواق والمقاهي ومجالس الأحاديث ومجموعات الدردشة دون غربلة أو تمحيص. هناك تختلط الانطباعات بالمعرفة، وتمتزج الشائعة بالحقيقة، وتتداخل العاطفة مع البرهان. وفي زحام هذا السوق تفقد الكلمات دقتها، وتتحول اللغة نفسها إلى عبء على الفهم بعد أن كانت طريقا إليه.
والنتيجة عقول متشابهة كأنها نسخ مكررة. عقول لا تسأل، ولا تشك، ولا تحاول تفكيك ما يقدم لها. نقرأ لنؤكد ما نؤمن به مسبقا، لا لنفتح نافذة جديدة للفكر. نردد أقوال القدماء كما لو أنها قوانين فيزيائية ثابتة، لا تقبل مراجعة ولا تطوير. نتحدث كثيرا عن الحرية، غير أن أول امتحان حقيقي لها يربكنا: حرية التفكير.
قد تبدو أصنام السوق والمسرح قديمة ضاربة في جذور التاريخ، غير أن عباءتها الحديثة صارت أكثر نفاذا وخطورة. فهي اليوم تبث عبر الشاشات والهواتف، وتدخل إلى المناهج، وتسوق أحيانا في هيئة فضيلة أو يقين. وبينما نتباهى بثقافتنا ومعارفنا، تدار عقولنا كما يدار المسرح: نص محفوظ، وأدوار محددة، وممثلون لا يخرجون عن السيناريو.

جميع الحقوق محفوظة. ــ الدستور

مواضيع قد تهمك