رنا حداد : نساء الشاشات لا يشبهننا: دراما رمضان تُعيد المرأة إلى الوراء
في كل عام، ومع حلول آذار، شهر المرأة والأم والكرامة، يتكرر الحديث عن إنجازات المرأة ودورها المتصاعد في المجتمع. تُكتب المقالات وتُلقى الخطب وتُرفع الشعارات احتفاءً بما حققته النساء من حضور وتأثير في تنشئة الأجيال وإعدادهم في السياسة والاقتصاد والطب والإعلام والعلوم.. الخ.
لكن المفارقة الصادمة أن هذه الصورة المضيئة للمرأة سرعان ما تتلاشى حين ننتقل إلى شاشة التلفزيون، خصوصاً في موسم «دراما رمضان»، حيث يبدو أن المرأة العربية التي نراها هناك لا تشبه المرأة الحقيقية التي نعرفها في حياتنا اليومية.
فالمرأة التي تقف اليوم في الصفوف الأمامية للمجتمع، وتعمل طبيبة وصحفية وقاضية وأستاذة جامعية وناشطة إنسانية، وتتحمل أعباء العائلة في ظل أزمات اقتصادية ونزاعات سياسية وحروب تضرب المنطقة، تختفي تقريباً من الصورة الدرامية. بدلاً منها تظهر نسخة أخرى مصنوعة بعناية: امرأة مشغولة على الدوام بمظهرها، غارقة في عمليات التجميل والشد، ترتدي أزياء مبالغاً فيها، وكأن قيمتها في الدراما لا تُقاس بعقلها أو قوتها أو تجربتها الإنسانية، بل بمدى قدرتها على جذب الانتباه والقبول البصري.
في العديد من الأعمال الرمضانية هذا العام، بدا واضحاً أن المرأة تُقدَّم غالباً ككائن يعيش في عالم موازٍ: عالم الصراعات العاطفية المبالغ فيها، والغيرة المرضية، والتنافس على الرجل، أو كضحية دائمة ضعيفة تحتاج من ينقذها.
وفي حالات أخرى تُختزل في نموذج المرأة المتسلطة أو المخادعة أو السطحية. هذه الصور المتكررة لا تعكس الواقع بقدر ما تعيد إنتاج قوالب قديمة تُفرغ تجربة المرأة من عمقها وتعقيدها الحقيقي.
الأكثر إزعاجاً في هذه الصورة الدرامية ليس فقط طبيعة الأدوار، بل أيضاً الرسالة الضمنية التي تحملها. فالكثير من الشخصيات النسائية تبدو وكأنها تقول للنساء إن القبول الاجتماعي يمر أولاً عبر المظهر: عبر الوجه المشدود والشفاه الممتلئة والأزياء الفاخرة. وهكذا تتحول الدراما ،من حيث تدري أو لا تدري، إلى منصة تروّج لفكرة أن الجمال المصطنع شرط أساسي للنجاح أو الحضور.
لكن الحقيقة مختلفة تماماً. فالمرأة العربية التي نراها في الواقع اليوم ليست هذه النسخة الملمّعة على الشاشة. إنها امرأة تقف في الصفوف الأولى في الأزمات، تدير بيتها وعملها في آن واحد، وتتحمل مسؤوليات مضاعفة في مجتمعات تعيش ضغوطاً سياسية واقتصادية كبيرة. في مناطق النزاعات، نجدها تسند عائلتها وتربي أبناءها وتعمل لتأمين الحد الأدنى من الاستقرار. وفي جهة أخرى تقود مؤسسات، وتؤسس مشاريع، وتكتب وتفكر وتبتكر. هذه المرأة الحقيقية قلّما تظهر على الشاشة.
المشكلة لا تتعلق بالممثلات بقدر ما تتعلق بالكتابة الدرامية نفسها. فمعظم النصوص ما تزال تُكتب بعقلية تقليدية ترى المرأة من زاوية محدودة، وغالباً ما تفضّل الصراعات السطحية السهلة على القصص العميقة التي تكشف قوة النساء وتعقيدات حياتهن. والنتيجة أن الدراما، بدل أن تعكس تطور المجتمع، تبدو أحياناً وكأنها تعيد إنتاج صور قديمة تجاوزها الواقع منذ سنوات.
ربما حان الوقت لأن نتوقف قليلاً ونسأل سؤالاً بسيطاً لكنه مهم: لماذا تبدو المرأة العربية على الشاشة أضعف وأكثر سطحية مما هي عليه في الحياة؟ ولماذا لا نرى في الدراما القصص الحقيقية لنساء يقاومن الأزمات، ويصنعن التغيير، ويقُدن عائلات ومؤسسات؟
إن الشاشة ليست مجرد وسيلة ترفيه، بل مرآة ثقافية تشكل الوعي العام. وعندما تستمر هذه المرآة في تقديم صورة مشوهة للمرأة، فإنها لا تظلمها فقط، بل تظلم المجتمع كله الذي تغيّر وتقدم أكثر بكثير مما تعكسه هذه الأعمال.
المرأة العربية اليوم ليست تلك الشخصية الهامشية التي تدور حول الآخرين. إنها جزء أساسي من المشهد العام، تقف في قلب الأحداث وتشارك في صناعة المستقبل. وربما يكون التحدي الحقيقي أمام الدراما العربية في السنوات القادمة هو أن تعترف بهذه الحقيقة، وأن تكتب أخيراً قصصاً تشبه النساء الحقيقيات لا نساء الشاشات.