د. محمد كامل القرعان : جاهزية الدولة ومسؤولية اللحظة
يقف الأردن أمام تحدً استراتيجي لا يتعلق فقط بمتابعة التطورات، بل بقدرة الدولة على إدارة تداعياتها المباشرة وغير المباشرة أيضاً، في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، ومع استمرار التصعيد والحرب في المنطقة بين الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل.
فالمملكة، بحكم موقعها الجغرافي وتشابك مصالحها الاقتصادية والسياسية مع محيطها الإقليمي والدولي، تدرك أن أي تصعيد عسكري واسع لن يبقى بعيدًا عن حدودها أو اقتصادها أو أمنها الوطني.
من هنا، يصبح السؤال الأساسي: كيف تستعد الدولة الأردنية لمواجهة سيناريوهات عدم الاستقرار في المنطقة؟
الواقع يشير إلى أن الحكومة الأردنية تتعامل مع هذه المرحلة بمنطق الاستباق لا ردّ الفعل. فإدارة الأزمات في عالم مضطرب لم تعد خيارًا مؤقتًا، بل أصبحت جزءًا من منظومة التخطيط الاستراتيجي للدولة. ويظهر ذلك بوضوح في التركيز المتزايد على الملفات الحيوية التي تمس صمود الاقتصاد الوطني واستقرار المجتمع، وفي مقدمتها الطاقة والأمن الغذائي وسلاسل التوريد.
قطاع الطاقة يمثل أحد أكثر الملفات حساسية في أوقات الصراع الإقليمي. فالتوترات العسكرية غالبًا ما تنعكس مباشرة على أسعار النفط والغاز، وعلى استقرار خطوط الإمداد. لذلك فإن تعزيز المخزون الاستراتيجي وتنويع مصادر الطاقة لم يعد مجرد خيار اقتصادي، بل ضرورة أمن وطني. وقد أدرك الأردن مبكرًا أهمية تقليل الاعتماد على مصدر واحد للطاقة، والتوسع في مشاريع الطاقة المتجددة، وبناء منظومة أكثر مرونة في مواجهة الصدمات الخارجية.
أما الأمن الغذائي، فقد أصبح أحد أهم معايير قوة الدول في زمن الأزمات. فالتجارب العالمية خلال السنوات الماضية أثبتت أن الحروب والصراعات لا تهدد الحدود فقط، بل تهدد أيضًا قدرة الدول على توفير الغذاء لمواطنيها. ومن هنا فإن تعزيز المخزون الاستراتيجي من السلع الأساسية، وتطوير سياسات الاستيراد والتخزين، ودعم الإنتاج الزراعي المحلي، كلها عناصر أساسية في بناء منظومة أمن غذائي قادرة على الصمود أمام الاضطرابات العالمية.
وفي السياق ذاته، تشكل سلاسل التوريد شريانًا حيويًا للاقتصاد الوطني. فتعطل حركة التجارة العالمية أو الإقليمية قد يؤدي إلى اختناقات في الأسواق وارتفاع في الأسعار. لذلك فإن الاستثمار في البنية اللوجستية، وتعزيز كفاءة الموانئ والمعابر، وتوسيع الشراكات التجارية، يمثل جزءًا من استراتيجية أردنية تهدف إلى تقليل تأثير الأزمات الإقليمية على السوق المحلية.
غير أن إدارة هذه التحديات لا يمكن أن تكون مسؤولية الحكومة وحدها. فالدولة في مثل هذه الظروف تحتاج إلى جبهة داخلية متماسكة، وإلى توافق سياسي ومؤسسي يعزز القدرة على اتخاذ القرارات الصعبة عند الحاجة. وهنا يبرز دور مجلس الأمة في دعم السياسات الحكومية الهادفة إلى تحصين الاقتصاد الوطني وتعزيز الجاهزية المؤسسية لمواجهة الأزمات. فالتكامل بين السلطتين التنفيذية والتشريعية يشكل عنصر قوة في إدارة المرحلة.
لكن في الوقت الذي تعمل فيه مؤسسات الدولة على تعزيز الجاهزية الداخلية، يواصل الأردن أداء دوره الدبلوماسي التقليدي بوصفه صوتًا للحكمة والاعتدال في المنطقة. فقد قاد جلالة الملك عبد الله الثاني خلال الفترة الماضية حراكًا دبلوماسيًا واسعًا شمل اتصالات ومشاورات مع قادة وزعماء أكثر من أربعين دولة، في محاولة لحشد الجهود الدولية لاحتواء التصعيد ومنع انزلاق المنطقة نحو صراع أوسع.
هذه الجهود تعكس إدراكًا أردنيًا عميقًا بأن أمن المنطقة لا يمكن أن يتحقق عبر الحروب، بل عبر الحوار والدبلوماسية والعمل الجماعي لتخفيف التوترات. كما تعكس مكانة الأردن كدولة تلعب دورًا محوريًا في جهود الاستقرار الإقليمي رغم محدودية مواردها.
في النهاية، قد لا يستطيع الأردن تغيير مسار الصراعات الكبرى في المنطقة، لكنه يستطيع - وقد أثبت ذلك مرارًا - أن يحمي استقراره الداخلي ويعزز قدرته على التكيف مع المتغيرات. فالدول القوية ليست تلك التي لا تواجه الأزمات، بل تلك التي تستعد لها جيدًا وتديرها بحكمة.
وفي عالم يموج بالاضطرابات، يبقى الرهان الأردني الحقيقي على ثلاثة عناصر: جاهزية الدولة، تماسك الجبهة الداخلية، واستمرار الدبلوماسية النشطة التي يقودها جلالة الملك دفاعًا عن أمن المنطقة واستقرارها.
ــ الراي