أ. د. فالح السواعير : اقتصاد المعرفة الجامعي: من حقوق الملكية إلى عوائد الشركات المنبثقة
إذا كان تأمين التمويل هو الخطوة الأولى لنقل الابتكار من المختبر إلى السوق وتأسيس الشركات المنبثقة عن الجامعة (Spinouts)، فإن التحدي الحقيقي الذي يواجهنا الآن هو كيف يمكن للجامعة أن تستفيد مادياً ومعنوياً من ابتكاراتها.
لقد أفرزت التجارب العالمية نماذج متعددة لتنظيم العلاقة بين الأوساط الأكاديمية وقطاع الأعمال؛ ومع تباين أدواتها التنفيذية، إلا أنها تلتقي جميعاً عند نقطة واحدة وهي تحويل المخرجات البحثية من مجرد أوراق علمية إلى أصول اقتصادية ذات قيمة حقيقية وملموسة.
أحد أكثر هذه النماذج انتشارًا هو نموذج الملكية في الشركة (Equity Model)، حيث تحصل الجامعة على حصة في الشركة الناشئة مقابل ترخيص التكنولوجيا التي طُورت داخلها. وغالبًا ما تتراوح هذه الحصة عالميًا بين نحو 5-20% من أسهم الشركة عند التأسيس، اعتمادا على طبيعة الابتكار ومقدار ما أنفق عليه. ويُعد هذا النموذج جذابًا للجامعات لأنه يمنحها فرصة المشاركة في القيمة المستقبلية للشركة إذا نجحت في السوق. فالجامعة في هذه الحالة لا تحصل على عائد مادي فوري، بل تستثمر في نجاح الشركة المستقبلي، ويكون العائد ببيع أسهمها عند نمو الشركة، أو عند توزيع الأرباح.
على الجانب الآخر، تفضل بعض الجامعات نهجاً أكثر هدوءاً ومباشرة، وهو نموذج الترخيص (Licensing Model) الذي يتجنب الدخول في متاهات الملكية. في هذا المسار، لا تطمح الجامعة لامتلاك حصة في الشركة، بل تكتفي بدور 'المؤجر' للابتكار. تمنح الجامعة للشركة الناشئة أو لشركة قائمة أخرى حق استخدام تقنيتها مقابل رسوم أولية (Upfront Fees) تضخ سيولة فورية، أو عوائد دورية (Royalties) (مثلاً 1-5%) تُقتطع من صافي المبيعات. هذا النموذج يروق للجامعات التي تنشد البساطة؛ فهو يخلق تدفقاً نقدياً مستمراً للجامعة على مدى عمر المنتج ويجنبها تعقيدات مجالس الإدارة وصراعات المساهمين. ببساطة، هو نموذج يضمن للجامعة عائداً مادياً مباشراً دون أن تضطر لخلع ثوبها الأكاديمي لترتدي قبعة 'المستثمر المغامر' بكل مخاطرها.
أحياناً، يكون المسار الأقصر للوصول إلى السوق هو تجاوز فكرة 'تأسيس شركة' من الأساس؛ فبدلاً من إضاعة الوقت في بناء كيان جديد، تختار الجامعة نقل ابتكارها مباشرة إلى شركة قائمة عبر بيع براءة الاختراع كلياً. هذا الخيار هو الأكثر منطقية في قطاعات مثل الأدوية أو الصناعات الثقيلة، حيث تمتلك الشركات الكبرى ترسانة من خطوط الإنتاج وشبكات التوزيع العالمية التي لا يمكن لشركة ناشئة، مهما بلغت سرعتها، أن تبنيها من الصفر. في هذه الحالة، تفضل الجامعة أن تكون 'المحرك' الذي يمد الشركات الضخمة بالوقود العلمي، مقابل عوائد مالية تضمن استمرار أبحاثها، دون الدخول في دوامة الإدارة والبحث عن المستثمرين.
ومع تعقد المشهد الاستثماري، برز النموذج الهجين (Hybrid Model) كحل وسط وأكثر مرونة؛ في هذا السيناريو، قد ترضى الجامعة بحصة ملكية صغيرة جداً لترضي المستثمرين، لكنها تؤمن نفسها بـرسوم ترخيص محدودة أو نسبة بسيطة من المبيعات المستقبلية. هذا النهج يمثل هندسة مالية متوازنة؛ فهو يوزع المخاطر والعوائد بين الجميع، ويضمن بقاء الشركة الناشئة جذابة في أعين المستثمرين، وفي الوقت ذاته، يحفظ حق الجامعة في نصيب عادل من الأرباح.
شهدت أوروبا خلال السنوات الأخيرة نقاشًا واسعًا حول مسألة الاستفادة المادية للجامعة من ابتكاراتها، خصوصًا بعد أن أظهرت بعض الدراسات أن حصص الجامعات المرتفعة في الشركات الناشئة قد تشكل أحد العوائق أمام جذب رأس المال الاستثماري. ونتيجة لذلك، بدأت العديد من الجامعات في مراجعة سياساتها لتقليل حصصها الأولية وتسريع عملية تأسيس الشركات. وتشير بيانات حديثة إلى أن متوسط حصة الجامعات في الشركات المنبثقة في المملكة المتحدة انخفض من نحو 20–27% في السنوات السابقة إلى ما يقارب 16% في عام 2024، في محاولة لتحقيق توازن أفضل بين مصالح الجامعات ومتطلبات السوق. وللمقارنة، فإنّ معدل حصة الجامعات في الولايات المتحدة أقل بثلاث مرات من نظيرتها في المملكة المتحدة.
وهذا يقودنا إلى السؤال الجوهري: ماذا تريد الجامعة فعلياً من هذه الشركات؟ هل الهدف هو تحقيق ربح مادي سريع من كل ابتكار، أم بناء نظام متكامل ينتج شركات ناجحة بشكل مستمر؟ التجارب العالمية الناجحة تؤكد أن محاولة 'عصر' كل شركة للحصول على أعلى عائد ممكن هي استراتيجية غير فعّالة. في عالم الابتكار والريادة، ليس من الضروري أن تنجح كل المحاولات؛ إن امتلاك الجامعة لحصة متواضعة في شركة ناجحة، على غرار تجربة جوجل في ستانفورد، يعوض عشرات التجارب التي لم يكتب لها الاستمرار، وأجدى بآلاف المرات من استحواذ الجامعة على نصف شركة "على الورق" لا تجد من يمولها.
إنّ التحدي الحقيقي أمام الجامعات اليوم في منطقتنا التي لا تزال تبني أنظمتها الخاصة بالابتكار والريادة، ليس في تحديد كم يجب أن تمتلك الجامعة؟، بل في تصميم بيئة عمل مرنة. بيئة توازن بين حفظ حقوق الجامعة العلمية، وبين تحفيز الباحثين وجذب المستثمرين دون تعقيدات إدارية منفّرة.
انتقال الجامعة من مجرد مكان للتدريس إلى محرك للاقتصاد يتطلب سياسات تسمح بالتجربة والخطأ والتعلم التدريجي، بدلاً من التمسك بنماذج جامدة تُفرض كحل وحيد. الابتكار الجامعي في النهاية ليس مجرد إجراء قانوني لتحويل براءة اختراع إلى شركة، بل هو عملية إدارية ذكية لتحويل المعرفة إلى قيمة اقتصادية واجتماعية ملموسة. والنجاح هنا يعتمد على وضع قواعد لعبة تشجع الجميع على التعاون لبناء القيمة، بدلاً من التركيز فقط على كيفية تقاسمها؛ وهذا سيكون محور النقاش القادم.