أ. د. امجد الفاهوم : هاكاثون رمضان الأردن 2026
يشهد
الفضاء الأكاديمي الأردني تحوّلاً نوعياً في طبيعة دوره ووظيفته، إذ لم
تعد الجامعة تكتفي بدورها التقليدي في نقل المعرفة، بل أخذت تتجه بصورة
متزايدة نحو إنتاج الحلول وبناء منظومات الابتكار التي تربط التعليم
باحتياجات المجتمع والاقتصاد المعرفي. وفي هذا السياق برزت مبادرة هاكثون
رمضان 2026 بوصفها تجربة ريادية غير مسبوقة على مستوى الجامعات الأردنية،
إذ أطلقها مركز الريادة والابتكار في جامعة اليرموك بالشراكة مع Smart Summit for Training and Data Analysis لتكون أول هاكاثون وطني يُنظَّم بصيغة رقمية كاملة، ويجمع طلبة الجامعات الأردنية في تحدٍ تقني واحد خلال شهر رمضان المبارك.
تعكس
هذه المبادرة تحوّلاً في فلسفة التعليم الجامعي نحو الابتكار التطبيقي،
حيث لم يكن الهاكاثون مجرد مسابقة تقنية، بل تجربة تعليمية مكثفة هدفت إلى
تحفيز الطلبة على توظيف أدوات التكنولوجيا الحديثة، ولا سيما الذكاء
الاصطناعي وتحليل البيانات، في معالجة تحديات مجتمعية واقعية ترتبط بطبيعة
الشهر الفضيل. وقد شملت هذه التحديات إدارة الفائض الغذائي وتقليل هدر
الطعام، وتعزيز الشفافية في العمل الخيري الرقمي، وتطوير تطبيقات صحية
وغذائية داعمة لأنماط الحياة الرمضانية، إضافة إلى حلول رقمية تعزز
الاستدامة البيئية والتوعية المجتمعية.
وقد
عكس حجم المشاركة في هذه المبادرة مستوى الاهتمام المتنامي بثقافة
الابتكار بين الشباب الجامعي في الأردن، حيث شارك في الهاكاثون 110 طالباً
وطالبة ضمن 50 فريقاً ابتكارياً يمثلون 11 جامعة حكومية وخاصة من مختلف
أنحاء المملكة. وتصدّرت جامعة اليرموك قائمة المشاركات بعشرين فريقاً،
تلتها جامعة الحسين التقنية والجامعة التطبيقية الخاصة، إلى جانب مشاركة
فاعلة من جامعة آل البيت وجامعة الأميرة سمية للتكنولوجيا وجامعة العلوم
والتكنولوجيا الأردنية وجامعة عمان العربية وجامعة الطفيلة التقنية وجامعة
البلقاء التطبيقية وجامعة إربد الأهلية وجامعة العلوم الإسلامية العالمية،
وهو ما يعكس اتساع دائرة الاهتمام بالابتكار الرقمي على مستوى المؤسسات
الأكاديمية في المملكة.
كما
أظهرت بيانات المشاركة ملامح مهمة في طبيعة العمل الابتكاري لدى الطلبة،
حيث بلغت نسبة الفرق الفردية 42% مقابل 58% للفرق التي ضمت ما بين عضوين
وخمسة أعضاء، الأمر الذي يعكس حضور روح المبادرة الفردية إلى جانب العمل
الجماعي. كما اتسمت المشاركة بتنوع تخصصي واضح شمل علم البيانات والذكاء
الاصطناعي وعلوم الحاسوب والهندسة والصيدلة وإدارة الأعمال، وهو تنوع يعزز
جودة الحلول المطروحة ويؤكد أن الابتكار المعاصر يقوم على التكامل بين
التخصصات المختلفة.
امتدت
فعاليات الهاكاثون على مدى خمسة أيام من العمل المكثف، بدأت بورش تدريبية
تحضيرية عبر الإنترنت هدفت إلى تأهيل المشاركين بالمهارات التقنية ومنهجيات
الابتكار، قبل أن ينطلق التحدي الرئيسي لمدة 48 ساعة متواصلة من التطوير
والعمل الجماعي لتحويل الأفكار إلى نماذج أولية قابلة للتطبيق. وعند الوصول
إلى المرحلة النهائية تأهلت أفضل عشرة مشاريع لتقديم عروضها أمام لجنة
التحكيم وفق معايير الابتكار والأثر المجتمعي وقابلية التطبيق التقني،
وأسفرت النتائج عن فوز فريق PSUT Team من جامعة الأميرة سمية للتكنولوجيا بالمركز الأول، فيما جاء فريق M² من جامعة آل البيت في المركز الثاني، وحل فريق The 6th Sense من جامعة اليرموك في المركز الثالث.
غير
أن القيمة الحقيقية لهذه التجربة لا تكمن في نتائج المنافسة وحدها، بل
فيما فتحته من آفاق تعليمية ومهنية أمام المشاركين، إذ أتاح الهاكاثون
فرصاً للحصول على دبلومات متقدمة وبرامج تدريب احترافية في الذكاء
الاصطناعي وتحليل البيانات، إلى جانب فرص تدريب عملي وبرامج احتضان وإرشاد
للمشاريع المتميزة بهدف تحويلها إلى مشاريع ناشئة قابلة للنمو.
ويأتي
هذا الحدث في سياق التحول الوطني نحو اقتصاد المعرفة، وهو التحول الذي
يحظى باهتمام مباشر من الملك عبد الله الثاني الذي يؤكد في رؤيته التنموية
أهمية تمكين الشباب وبناء اقتصاد قائم على الابتكار والتكنولوجيا، كما
يتقاطع مع اهتمام الأمير الحسين بن عبد الله الثاني بتوسيع فرص الشباب
الأردني في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي.
لقد
أثبتت تجربة الهاكثون الرمضاني أن البيئة الرقمية قادرة على تجاوز الحدود
الجغرافية وجمع العقول الشابة من مختلف الجامعات في منصة ابتكارية واحدة،
كما أكدت أن الشباب الأردني يمتلك القدرة على تحويل التحديات المجتمعية إلى
حلول تقنية قابلة للتطبيق. غير أن الأثر الأعمق لهذه التجربة يتجلى في
المرحلة اللاحقة لها، حيث تبرز فرصة حقيقية لتحويل عدد من الأفكار
والمشاريع التي طُوّرت خلال الهاكاثون إلى مبادرات ريادية قابلة للاستثمار،
خاصة في مجالات التكنولوجيا المجتمعية والخدمات الرقمية المدعومة بالذكاء
الاصطناعي. فربط هذه المشاريع بحاضنات الأعمال وبرامج التسريع الريادي
وشبكات الاستثمار المغامر يمكن أن يفتح أمامها مساراً للتحول إلى شركات
ناشئة تسهم في الاقتصاد الرقمي وتوفر فرص عمل نوعية، وبذلك يتحول الهاكاثون
من حدث أكاديمي مؤقت إلى منصة مستدامة لإطلاق مشاريع ابتكارية تدعم مستقبل
الاقتصاد الأردني وتكرّس دور الجامعات كمحركات رئيسية للابتكار والتنمية.