الأخبار

د. عدنان مساعدة : قراءة في كتاب ملك وشعب (32) المبادرات الملكية السامية ورسالة عمان.

د. عدنان مساعدة : قراءة في كتاب ملك وشعب (32) المبادرات الملكية السامية ورسالة عمان.
أخبارنا :  

يعد كتاب "ملك وشعب" الذي أصدره الديوان الملكي الهاشمي العامر منجزا وطنيا هامّا يوثّق المبادرات الملكية السامية الزاخرة بالخير والعطاء والإنسانية ضمن رحلة خيّرة لا ينضب عطاؤها بين ملك إنسان وأبناء شعبه. إن هذا الملف الإنساني والتنموي الذي يوليه جلالة سيدنا كل إهتمام حيث أسند أمر متابعته وتنفيذه إلى لجنة برئاسة معالي الأستاذ يوسف حسن العيسوي رئيس الديوان الملكي الهاشمي ضمن فريق عمل مخلص وجاد ليعكس صورة إرتباط ملك رحيم تجلّت صفات الإنسانية بأجل صورها مع أبناء شعبه الأردني بروح تنم عن إنتماء ومحبة قائد لوطنه ولشعبه، وولاء ومبايعة شعب لقائده بصدق وإخلاص.
وسأتناول هنا في المقال الثاني والثلاثين (32) ضمن سلسلة مقالات قراءة كتاب ملك وشعب "المبادرات الملكية السامية ورسالة عمّان ".
هذه الرسالة التي أعلنت في شهر رمضان المبارك في التاسع من تشرين الثاني عام 2004 بدعم ومباركة جلالة سيدنا، وجاءت لمصارحة الأمة في منعطف صعب في مسيرتها وبما يحيق بها من أخطار، إدراكا لما تتعرّض له أمتنا من تحديات تهدّد هويتها وتفرّق كلمتها، وتعمل على تشويه دينها الإسلامي الحنيف والنيل من مقدساتها حيث تعرّضت رسالة الإسلام السمحة وما زالت لهجمة شرسة وظالمة ممن يحاولون أن يصوروها عدوا لهم بالتشويه والإفتراء، ومن بعض الذين يدعّون الإنتساب للإسلام ويقومون بأفعال غير مسؤولة بإسمه وهو من هذه الأفعال براء.
وبتوجيه من جلالة سيدنا، تبنّت المملكة الأردنية الهاشمية نهجا يحرص على إبراز الصورة الحقيقية المشرّفة والمشرقة للإسلام، ووقف التجني عليه ورد الهجمات عن رسالة هذا الدين الإنساني العظيم، بحكم المسؤولية الروحية والتاريخية الموروثة التي يحملها الهاشميون عبر مسيرتهم بشرعية موصولة بصاحب الرسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، تلك الجهود الحثيثة التي بذلها جلالة المغفور له بإذن الله حسيننا العظيم، وواصلها من بعده بعزم وتصميم جلالة سيدنا الملك عبد الله الثاني بن الحسين منذ تسلمه سلطاته الدستورية خدمة للإسلام وتعزيزا لتضامن ما يزيد على ملياري مسلم يشكلون ما يقارب 20% من سكان العالم، وتجنبا لتهميشهم أو عزلهم عن حركة المجتمع الإنساني، وتأكيدا لدورهم في بناء الحضارة الإنسانية والمشاركة في التأثير والتأثر بها إيجابيا.
نعم، لقد جاءت رسالة عمّان لتحمل على عاتقها أمانة الدفاع عن قيم ونهج الدين الإسلامي الحنيف ومبادئه وأخلاق الأمة التي تقوم على العدالة الإجتماعية والرحمة والتسامح وإحترام الآخرين، والتي تمثّل في الوقت نفسه نهج الأردن البلد المسلم والعربي الهاشمي الذي قدّم جوهر هذا الدين وحقيقته للمجتمع الإنساني، وإظهار أنصع صور العدل والتسامح وقبول الآخر ورفض التعصب والإنغلاق، ونشر المبادىء والقيم السامية التي تحقّق الخير للإنسانية، كما تحقّق الأمن الشامل والتكافل الإجتماعي وحسن الجوار والحفاظ على الأموال والممتلكات والوفاء بالعهود، هذه المبادىء التي تشكّل بمجموعها قواسم مشتركة بين أتباع الديانات، وذلك أن أصل الديانات الإلهية واحد وجاءت جميعها برسالة التوحيد، والمسلم يؤمن بجميع الرسل ولا يفرّق بين أحد منهم كما جاء في قوله تعالى ((آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرّق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير)).
إن هذا النهج القويم يؤسس لقاعدة واسعة للإلتقاء مع المؤمنين بالديانات الأخرى على الجوانب المشتركة التي تخدم المجتمع الإنساني دون المساس بالتميز العقدي والإستقلال الفكري. ومن الإشارات النبيلة والسامية التي تضمنتها رسالة عمان، أن هدف الإسلام هو تحقيق الرحمة والخير للناس أجمعين، وهو دين التسامح والعفو اللذين يعبران عن سمّو النفس من خلال مبدأ العدالة في معاملة الآخرين وصيانة حقوقهم، وإحترام المواثيق والعهود والإلتزام بها وتحريم الغدر والخيانة، هذا النهج الإسلامي الذي كرّم الإنسان دون النظر إلى لونه أو جنسه أو دينه، كما أكد أن منهج الدعوة يقوم على الرفق واللين ورفض الغلظة والعنف في التوجيه والتعبير قال تعالى: (( فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لأنفضوا من حولك فأعف عنهم وأستغفر لهم وشاورهم في الأمر)).
نعم، إن منهج الإسلام الإنساني الذي أعطى للحياة منزلتها السامية، وهو دين اخلاقي الغايات والأهداف والوسائل يسعى لخير الناس وإسعادهم، فلا إعتداء على حياة الناس بأية صورة، لأن ذلك يعتبر إعتداء على حق الحياة التي هي أساس العمران البشري، كما أن منهج الإسلام هو دين العلم والتفكّر والتدبّر ممّا مكن من إيجاد تلك الحضارة الإسلامية الراسخة التي كانت حلقة مهمة إستفاد منها الغرب، وسبر من خلالها أبواب العلم وشارك في إنجازات هذه الحضارة غير المسلمين بإعتبارها حضارة إنسانية شاملة، إيمانا بمنهجية الدعوة إلى الإنخراط بالمجتمع الإنساني المعاصر والإسهام في رقيه وتقدمه. وما دعت إليه رسالة عمان هنا هو التعاون مع كل قوى الخير والحكمة والعدل عند الشعوب كافة، إبرازا أمينا لحقيقة نهج بلدنا وتعبيرا صادقا عن سلامة إيماننا وعقيدتنا القائمة على دعوة الحق والعمل على تجديد مشروعنا الحضاري ضمن هدي ديننا الإسلامي الحنيف، وتبني النهج الإسلامي في تحقيق التنمية الشاملة والتوازن بين الجوانب الروحية والإقتصادية والإجتماعية، والإهتمام بحقوق الإنسان وحرياته الأساسية، وتأكيد حقه في الحياة والكرامة والأمن وإدارة شوؤن المجتمعات وفق مبادىء العدل والشورى.
كما دعت رسالة عمان علماء الأمة ليكونوا نبراسا في الدعوة الواعية المستنيرة التي تقوم على الحكمة والموعظة والمجادلة بالتي هي أحسن، وإبراز قيم الإسلام الحقيقية والعظيمة وترسيخها في عقول الشباب وتجنيبهم مخاطر الإنزلاق في مسالك الجهل والفساد والإنغلاق والتبعية، وإنارة دروبهم بالسماحة والإعتدال والوسطية والخير، وإبعادهم عن مهاوي التطرف والتشنّج المدمّر للروح والجسد، لنكون قادرين على الإسهام في تفعيل مسيرتنا وتحقيق أولوياتنا ضمن إطار المثل العليا سلوكا نبيلا، وخلقا عظيما بدقة العلم، وبصيرة الحكمة، ورشد السياسة في كل الأمور، لنستشرف آفاق ومتطلبات المستقبل والتصدي للتحديات.
ولكي تعم الفائدة ونظرا لأهمية ما تحمله رسالة عمّان المستوحاة من رسالة روح الإسلام السمحة دين الوسطية والرحمة والإنفتاح على الآخر في كافة دول العالم، فقد تم نشر رسالة عمّان بعدة لغات عالمية هي العربية، الإنجليزية، الفرنسية، الألمانية، الروسية، الأسبانية، اليابانية والصينية، لتترك أثرها وتأثيرها العميق والإيجابي في النفس البشرية أنى وجدت مكانا وزمانا، ولتحقّق التصالح مع الذات والطمأنينة للناس كافة حيث تحمل الخير والرحمة للعالمين.
نعم، إنه التوجية الملكي الهاشمي في نشر مباديء الإسلام السمحة التي تقوم على الوسطية والإعتدال تجاه الإنسانية وكرامة الإنسان وحريته في المعتقد التي تضمنته رسالة عمّان، ضمن منظومة عمل جادة تعمل بضمير مؤسسي مسؤول الذي أنجزه الديوان الملكي الهاشمي العامر بيت جلالة سيدنا وبيت الأردنيين جميعا، يرافق ذلك جهود تقوم على الإخلاص والتفاني في العمل في ظل مجتمع متكافل واحد موحّد ومتماسك يزرع بذور الخير والعطاء والإنسانية، برعاية وإهتمام جلالة سيدنا الملك الإنسان عبد الله الثاني بن الحسين أعز الله ملكه القدوة لنا جميعا في الإنجاز والعمل وللحديث بقية.

مواضيع قد تهمك