شيرين قسوس تكتب : سيكولوجية التعاطف الانتقائي: عندما يسقط الإنسان في فخ "جماليات الألم"
كتبت شيرين قسوس
نحن لا نتعاطف مع الضحية، نحن نتعاطف مع "كاريزما" المأساة! ثمة حقيقة ملعونة تلوح في أفق التأمل الفلسفي: الإنسان لا توقظه صرخة الوجع بقدر ما تفتنه الصورة التي يرتديها هذا الوجع. نحن أسرى "برواز" المشهد، لا المشهد ذاته.
كان نيتشه يدرك جيداً أن أحكامنا الأخلاقية ليست طاهرة كما ندعي؛ إنها ملوثة بأذواقنا وجمالياتنا الخفية. تأمل الفارق بين حذائك الذي يهوي على صرصور وبين يدك التي تمتد برقة لتنقذ فراشة. كلاهما حياة، كلاهما يصارع من أجل البقاء، لكنك منحت أحدهما "صك الموت" للقبح، ووهبت الآخر "حق الحياة" للجمال.
هذا ليس مجرد تفصيل بيولوجي، إنه بيان إدانة لطبيعتنا. نحن نقيس البؤس بميزان "الجاذبية"، فإن فقد الألم سحره الجمالي، انسحب تعاطفنا وتركنا الضحية لمصيرها، وكأن القبح يشرعن الإهمال، والجمال يفرض الإنقاذ.
عندما تصبح الأشلاء "خلفية" للمشهد في غزة ولبنان في هذا الجانب المظلم، يسقط العالم في "تعود القبح". في أزقة غزة المكلومة وساحات لبنان المشتعلة، لا تولد المأساة كفكرة فلسفية، بل كواقع يُكتب بالرصاص والركام. هناك، يولد الأطفال وسط "مطر النار"، حيث الطفولة ليست أرجوحة بل قبو، وليست حكاية قبل النوم بل صفارة إنذار تشق الروح.
ومع ذلك، حتى هذا الجحيم يخضع لفلترة "الوعي العالمي" المقيتة. يهتز العالم لصورة طفل "جميل" غطاه الغبار كأنه لوحة سريالية، بينما يبتلع الصمت آلاف الحكايا الأخرى لأن الكاميرا لم تجد فيها "الزاوية" التي تلامس الوجدان. إنها قسوة التناقض البشري: نحن لا نهتز للمعاناة، بل للصورة التي تمنح المعاناة معنىً حسياً.
الحقيقة الأكثر إيلاماً هي أن أولئك القابعين تحت القصف لا يملكون رفاهية التحول إلى "أيقونة سينمائية" ليرضى عنهم ضمير العالم. حياتهم ليست مشهداً عابراً في "ستوري" على إنستغرام، بل هي صراع يومي من أجل التنفس. هناك، في المدن المحطمة، يتساوى الجميع؛ لا فرق بين فراشة وصورصور، فالجميع تحت وطأة آلة القتل سواء.
إن التحدي الأخلاقي الحقيقي ليس في البكاء على صورة مؤثرة، بل في القدرة على رؤية الألم العاري قبل أن يتجمل. المأساة لا تحتاج أن تكون "جميلة" لكي تستحق الرحمة؛ يكفيها أنها "إنسانية". كفّوا عن قياس الدماء بمسطرة الجمال، فالموت ليس له وجه وسيم.
فبالنهاية حتى الحيوانات تبحث عن الأمان......