الأخبار

اسماعيل الشريف : حلّ الدولة الواحدة

اسماعيل الشريف : حلّ الدولة الواحدة
أخبارنا :  

من يرغب في العيش وتقاسم المكان مع مرتكبي إبادة جماعية؟ – لارا كيلاني.

في الآونة الأخيرة، تصاعد الحديث عن حلّ الدولة الواحدة بوصفه مخرجًا للقضية الفلسطينية؛ دولة تمتد من البحر إلى النهر، يقوم فيها جميع السكان على أساس المساواة الكاملة في الحقوق.

ويُعدّ المؤرخ اليهودي البارز إيان بابيه من أبرز الداعين إلى هذا الطرح، إذ ينظر إليه باعتباره مسارًا تاريخيًا حتميًا لا مفرّ منه، انطلاقًا من قراءته لمسار الصراع وبنية المستعمر. كما يلحظ من يتابع تحوّلات اليسار الأمريكي المتنامي اتساع هذا الخطاب، حيث يُقدَّم مستقبل فلسطين غالبًا من خلال عبارات عامة وفضفاضة من قبيل: دولة واحدة، دولة ديمقراطية واحدة، وحقوق متساوية للجميع. وفي هذا السياق، بدأت تتبلور أطروحات أكاديمية ومواقف لمثقفين، من بينهم فلسطينيون، أبرزهم عمر البرغوثي، أحد مؤسّسي حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات، الذي يدعو إلى المساواة بدل الانفصال، معتبرًا أن حلّ الدولتين لم يعد قائمًا، بل أصبح من الماضي.

انطلقتُ أنا أيضًا من هذا الطرح، وعبّرتُ عنه في أكثر من مقال، استنادًا إلى قناعة بأن قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة بات شبه مستحيل. فقد جرى تفتيت الضفة الغربية إلى كانتونات معزولة، وضمّ القدس وتهويدها، وتسارع التوسع الاستيطاني، مع إحكام سيطرة الكيان على الحدود والموارد والضرائب. وفي المقابل، جرى تدمير غزة بوصفها كيانًا قابلًا للحياة، بينما ترزح الضفة تحت أزمات متفاقمة، في ظل غياب أي جدية أمريكية أو أوروبية في السعي إلى سلام حقيقي. وما تزال اتفاقيات أوسلو تلقي بظلالها الثقيلة على الفلسطينيين، إذ لم تفضِ إلى تكافؤ أو مساواة، بل أسهمت في ترسيخ الاحتلال وتعميق تفتيت الأرض.

غير أن قراءتي لمقالة للكاتبة لارا كيلاني على موقع Mondoweiss، وهو موقع أمريكي مناهض للصهيونية، دفعتني إلى إعادة النظر في هذا الطرح. تشير كيلاني إلى أن مقترحات الدولة الواحدة تتجاهل قضايا جوهرية، على رأسها استعادة الأرض، وتفكيك الاستيطان، وإعادة توزيع السلطة، ثم تطرح سؤالًا صادمًا رغم بساطته: من يمكن أن يُجبر على العيش وتقاسم المكان مع من ارتكبوا إبادة جماعية؟

تاريخيًا، أدركت حركات التحرر المناهضة للاستعمار في الجزائر وزيمبابوي وكينيا وغيرها أن تفكيك الاستعمار الاستيطاني لا يكتمل إلا بتفكيك بنيته البشرية والأيديولوجية، وهو ما استوجب عودة المستوطنين إلى دولهم الإمبريالية. ولم يكن ذلك عقابًا أو انتقامًا، بل ضرورة تاريخية وسياسية لكسر البنية التحتية للاستعمار، وإنهاء هيمنته الفكرية والمادية، وتمكين السكان الأصليين من السيادة، وتهيئة الشروط الفعلية لتقرير المصير. وفي الحالة الفلسطينية، يتجسّد هذا التفكيك في إنهاء الصهيونية والاستيطان، غير أن تحقيقه يفتح سؤالًا أوسع حول تفكيك الشبكات الصهيونية الداعمة في الخارج. فالمعطيات تشير، على سبيل المثال، إلى أن اتحاد اليهود في أمريكا الشمالية، بالشراكة مع الوكالة اليهودية، قد وفّر قروضًا بقيمة 130 مليون دولار لجنود احتياط في جيش الاحتلال شاركوا في الإبادة الجماعية لأكثر من مئتي يوم منذ السابع من أكتوبر 2023.

ومن الوهم افتراض أن الصهاينة المستوطنين سيقبلون طوعًا التخلي عن الامتيازات الهائلة التي راكموها، أو العيش في مساواة حقيقية مع سكان أصليين جُرّدوا من الأرض والحقوق وشُتّتوا في المنافي. فبعد قرن من السطو على الثروات والأراضي والموارد، لا تُستعاد الحقوق بسهولة، ولا تُنزع الصفة الاستيطانية بقرار أو خطاب.

وتؤكد الاستبيانات هذا الإدراك الفلسطيني. فوفق استطلاع صادر عن المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية، يرفض 53% من الفلسطينيين حلّ الدولتين، لكنهم، عند مطالبتهم ببديل واقعي، يميل 47 % إلى خيار الدولة الفلسطينية على حدود عام 1967، في مقابل نسبة متدنية لا تتجاوز 12% تؤيد إقامة دولة واحدة تقوم على المساواة بين الفلسطينيين والصهاينة. ولذلك، يرفض الفلسطينيون فكرة الدولة الواحدة القائمة على المساواة، لأنهم لا يرون فيها تحررًا حقيقيًا، بل استمرارًا قسريًا للتشابك مع مجتمع بُني على سلب ملكيتهم، وقتلهم، ونهب مواردهم، ودعم الإبادة الجماعية بحقهم. وعندما تُقارن هذه الصيغة بحلّ الدولتين، تميل الغالبية بوضوح إلى خيار الانفصال، بوصفه أقلّ كلفةً وأكثر انسجامًا مع معنى التحرر.

وعليه، يقف الفلسطينيون اليوم أمام معضلة تاريخية حقيقية: فحلّ الدولتين على حدود عام 1967 يبدو بالغ الصعوبة، إن لم يكن مستحيلًا، بينما يستدعي حلّ الدولة الواحدة تفكيك الصهيونية على المستوى العالمي، وإعادة المستوطنين إلى بلدانهم الأصلية. وأمام انسداد هذين المسارين، لم يعد البحث عن خيار ثالث ترفًا فكريًا، بل ضرورة سياسية يفرضها الواقع، بعد سقوط أوهام التسوية بكل صيغها التقليدية. ــ الدستور

مواضيع قد تهمك