سموتريتش وتفكيك أوسلو: هل نحن أمام إعادة تعريف شاملة للصراع؟
التصريحات التي أطلقها وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، والمتعلقة بـ»تدمير اتفاقية أوسلو والسيطرة على الضفة الغربية وتهجير سكانها»، لا يمكن التعامل معها بوصفها خطاباً سياسياً عابراً أو موجهاً للاستهلاك الداخلي، بل تعكس توجهاً أيديولوجياً متجذراً داخل مكونات الائتلاف الحاكم في إسرائيل، يسعى إلى إعادة صياغة الواقع السياسي والقانوني في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
لقد شكّلت اتفاقية أوسلو الإطار الناظم للعلاقة الانتقالية بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل منذ عام 1993، برعاية أمريكية في عهد الرئيس بيل كلينتون. ورغم ما شاب الاتفاق من اختلالات هيكلية وغياب التوازن في موازين القوة، فإنه أسس لاعتراف متبادل ولفكرة الحل السياسي القائم على مبدأ الدولتين، باعتباره الخيار الذي تبنته الشرعية الدولية وأكدته قرارات مجلس الأمن ذات الصلة.
الدعوة إلى «تدمير أوسلو» تعني عملياً إسقاط آخر إطار قانوني ينظم العلاقة بين الجانبين، وفتح الباب أمام واقع جديد يقوم على فرض السيادة الإسرائيلية الأحادية على الضفة الغربية. وهذا التوجه ينسجم مع خطاب التيار الديني القومي المتشدد داخل حكومة بنيامين نتنياهو، الذي يرى في الضفة الغربية امتداداً جغرافياً وتاريخياً لما يسميه «أرض إسرائيل الكاملة».
غزة والضفة: هل نحن أمام انتقال في النموذج؟
ما شهدته غزة خلال الحرب الأخيرة، من دمار واسع للبنية التحتية وتفكيك مقومات الحياة المدنية، يثير تساؤلات مشروعة حول ما إذا كان يجري الانتقال من سياسة «إدارة الصراع» إلى سياسة «إعادة تشكيله». وإذا ما جرى تطبيق مقاربة مشابهة في الضفة الغربية، فإن التداعيات ستكون أكثر تعقيداً، نظراً للتداخل الجغرافي والديموغرافي بين المدن الفلسطينية والمستوطنات، ووجود السلطة الفلسطينية ككيان إداري وأمني، إضافة إلى الحساسية الخاصة لمدينة القدس.
الضفة الغربية تمثل مركز الثقل الديموغرافي والسياسي الفلسطيني، وأي محاولة لفرض سيادة إسرائيلية كاملة عليها ستضع إسرائيل أمام أحد خيارين أحلاهما مرّ: إما ضم الأرض دون منح سكانها حقوقاً سياسية متساوية، بما يفتح الباب أمام اتهامات بنظام تمييزي يتعارض مع القانون الدولي، أو خلق ظروف اقتصادية وأمنية ضاغطة تدفع نحو هجرة قسرية غير معلنة، وهو ما يتعارض مع قواعد القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف.
القدس والداخل معادلة الاستقرار الإقليمي
القدس ليست مجرد ملف تفاوضي، بل تمثل بُعداً دينياً وسياسياً يتجاوز حدود الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي. وأي تغيير أحادي في وضعها القانوني أو الديموغرافي ستكون له انعكاسات تتعدى الجغرافيا الفلسطينية إلى الإقليم بأسره.
كما أن انعكاسات أي تصعيد في الضفة لن تقف عند حدودها، بل ستمتد إلى الداخل الفلسطيني داخل إسرائيل، بما يحمله ذلك من تداعيات على الاستقرار المجتمعي والسياسي. ومن هنا، فإن التصريحات المتطرفة لا تمثل فقط تهديداً للفلسطينيين، بل تطرح تحديات جدية على مستقبل الاستقرار في المنطقة.
الموقف الدولي بين البيانات والاختبار الحقيقي
المجتمع الدولي، وفي مقدمته الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ما زال يؤكد تمسكه بحل الدولتين. غير أن التطورات الميدانية تضع هذا الموقف أمام اختبار عملي: فإما ترجمة الالتزام السياسي إلى خطوات ضاغطة تمنع تقويض الأساس القانوني للحل، أو الاكتفاء ببيانات القلق التي لم تثبت نجاعتها في وقف التدهور.
إن أي مسار نحو الضم أو تفكيك الإطار التعاقدي الذي أرساه اتفاق أوسلو سيُدخل المنطقة في مرحلة جديدة من عدم الاستقرار، وسيقوّض فرص إعادة إطلاق مسار سياسي جاد على أساس قرارات الشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية.
خلاصة القول
إن ما يصدر عن بعض أركان الحكومة الإسرائيلية الحالية لا يمكن فصله عن رؤية استراتيجية تسعى إلى حسم الصراع من طرف واحد. غير أن التجارب التاريخية تؤكد أن الحلول الأحادية لا تنتج سلاماً مستداماً، بل تؤسس لدورات جديدة من التوتر والعنف.
الضفة الغربية ليست ساحة هامشية، بل هي قلب المعادلة السياسية والأمنية. والقدس ليست تفصيلاً، بل عنوان الصراع وجوهره. ومن هنا، فإن الحفاظ على ما تبقى من أطر قانونية وتنشيط المسار السياسي، يشكلان ضرورة إقليمية ودولية، وليس فقط مطلباً فلسطينياً.
فالسلام العادل والشامل لا يُبنى بالقوة أو بفرض الوقائع، بل بالالتزام بالقانون الدولي والاعتراف المتبادل بالحقوق الوطنية المشروعة، بما يحقق الأمن والاستقرار لشعوب المنطقة كافة. ــ الدستور