د. ايوب ابو دية : تصميم أبنية التسويات المتكرّرة بيئيًا واقتصاديًا
تواجه المدن الجبلية، ولا سيما في دول ذات طبيعة جيولوجية صخرية مثل الأردن، تحديات معقّدة في مجال التخطيط العمراني والبناء. فالتوسّع الحضري غالبًا ما يصطدم بواقع طبوغرافي قاسٍ، حيث تشكّل الجبال الصخرية عائقًا أمام أنماط البناء التقليدية التي تعتمد على تسوية الأرض بالكامل قبل الشروع في الإنشاء. هذا النهج لا يفرض فقط تكاليف مالية مرتفعة، بل يخلّف أيضًا آثارًا بيئية واجتماعية واقتصادية وجمالية سلبية تمتد لسنوات طويلة. ومن هنا تبرز أهمية مفهوم تصميم أبنية التسويات المتكرّرة بوصفه بديلًا بيئيًا واقتصاديًا وجماليًا في آنٍ واحد.
تعتمد الفلسفة التقليدية للبناء في كثير من المدن على مبدأ "فرض" المبنى على الأرض، أي تعديل الطبيعة لتناسب التصميم المعماري للطوابق المتكررة. ففي المناطق الجبلية الصخرية، يعني ذلك حفر كتل كبيرة من الصخر الصلب، واستخدام معدات ثقيلة، ونقل نواتج الحفر، وما يرافق ذلك من استهلاك للطاقة، وانبعاثات كربونية، وأغبرة، وضجيج، وأزمات مرورية، واهتزازات تؤثر في الأبنية المجاورة، فضلًا عن تشويه جمالية المشهد الطبيعي. إضافةً إلى ذلك، فإن عمليات الحفر العميق تستغرق وقتًا طويلًا، وترفع كلفة المشروع بشكل كبير، ما ينعكس في نهاية المطاف على أسعار السكن ويحدّ من العدالة العمرانية.
في المقابل، ينطلق تصميم أبنية التسويات المتكرّرة من مبدأ معاكس: مطاوعة الطبوغرافيا بدل محاربتها. فالأرض الجبلية لا تُعتبر عائقًا، بل فرصة تصميمية. يقوم هذا النمط على تدرّج المبنى مع نسبة انحدار الجبل، بحيث تُنشأ الكتل المعمارية على مستويات متتابعة تشبه المدرّجات. وبدل حفر الجبل وتسويته وخلق ارتفاعات كبيرة وخطرة في المنسوب، يُستفاد من ميلانه الطبيعي لتوزيع الشقق أو الوحدات السكنية على طبقات، لكل منها إطلالتها الخاصة، وتراساتها الواسعة، وعلاقتها المباشرة بالبيئة المحيطة.
من أبرز خصائص هذا التصميم أن ثلاث واجهات لكل وحدة سكنية - أو على الأقل واجهتين منها - تكون مكشوفة، بينما تكون الواجهة الثالثة أو الرابعة مردومة. وهذا التكوين له فوائد بيئية كبيرة؛ إذ تعمل التربة المحيطة كعازل حراري طبيعي يحافظ على درجة حرارة مستقرة نسبيًا داخل المبنى. ففي الصيف، تقل الحاجة إلى التبريد الميكانيكي، وفي الشتاء تُحفظ الحرارة الداخلية لفترات أطول. والنتيجة هي انخفاض استهلاك الطاقة، وتراجع الفاتورة التشغيلية للسكان، فضلًا عن تقليل الانبعاثات الناتجة عن استخدام أنظمة التكييف والتدفئة.
اقتصاديًا، يقدّم هذا النمط مكاسب واضحة. فخفض أعمال الحفر في الصخر يعني تقليل كلفة التنفيذ، وتقليص حجم المشروع، وبالتالي خفض حجم الاستثمار وتبعات قروضه، وتسريع مدة الإنجاز، وتقليل المخاطر الإنشائية المرتبطة بالعمل في بيئات جيولوجية معقّدة. كما أن تقليل الإزعاج للسكان المجاورين - من ضجيج وغبار واهتزازات - يخفّف من النزاعات الاجتماعية والقانونية، ومن الأعباء غير المباشرة التي غالبًا ما تُهمل في الحسابات الاقتصادية التقليدية. وبذلك، لا يقتصر العائد الاقتصادي على المطوّر العقاري فحسب، بل يمتد ليشمل المجتمع والمدينة ككل.
أما البعد البيئي، فيتجلّى بوضوح في فكرة الحدائق المتدرّجة التي تقلّل من التلوث أثناء البناء. كما أن كل شقة أو وحدة سكنية يمكن أن تمتلك حديقة خاصة فوق سقف الوحدة التي أسفلها، ما يخلق نظامًا متتابعًا من المساحات الخضراء. هذه الحدائق لا تزيد فقط من نصيب الفرد من الخضرة في المدن المكتظة، بل تسهم أيضًا في تحسين جودة الهواء، وخفض درجات الحرارة المحلية، وتعزيز التنوع الحيوي من خلال جذب الطيور والحشرات النافعة. كما تلعب دورًا مهمًا في إدارة مياه الأمطار، إذ تعمل التربة والنباتات على امتصاص المياه وتقليل الجريان السطحي الذي يسبب الفيضانات والانجراف.
من الناحية الاجتماعية والنفسية، يوفّر هذا النمط السكني علاقة أكثر حميمية بين الإنسان والطبيعة. فالسكن لا يعود مجرد فراغ مُعلّق في الهواء، أو شقق تتكدّس فوق بعضها البعض، بل مساحة معيشية منفتحة على الخضرة والضوء الطبيعي والمناظر الطبيعية. وقد أثبتت دراسات عديدة أن القرب من المساحات الخضراء يحسّن الصحة النفسية، ويقلّل من التوتر، ويزيد من كفاءة الإنسان في العمل، ويعزّز الإحساس بالانتماء إلى المكان.
كما أن التدرّج في الكتل العمرانية يكسر الرتابة البصرية التي تميّز قبح الكثير من الأبنية الإسمنتية المتشابهة والمتزاحمة والشاهقة، ويقلّل مخاطر الهزات الأرضية، ويمنح المدن طابعًا جماليًا متفرّدًا يعكس خصوصية موقعها الطبيعي، ولا يحجب النظر عند مستوى الأفق، وبالتالي لا يمنع الناظر من التمتع برؤية مناظر طبيعية أوسع عموديا وأفقيا.
في الختام، يمثّل تصميم أبنية التسويات المتكرّرة مقاربة شمولية تعيد تعريف العلاقة بين العمارة والطبيعة. فهو ليس مجرد حل تقني لمشكلة البناء في المناطق الجبلية، بل رؤية بيئية واقتصادية واجتماعية وجمالية متكاملة. وفي بلد جبلي صخري حيث العديد من المدن الأردنية، يمكن لهذا النهج أن يشكّل أحد مفاتيح التحوّل نحو عمران أكثر استدامة وأمانًا من أخطار الزلازل، ويحترم طبيعة الأرض والتنوع الحيوي، ويخدم المجتمع، ويصنع مدنًا أجمل وأكثر انسجامًا مع محيطها الطبيعي.