الأخبار

محمود الدباس : شكراً حكومة .. ولكن هل هي ترحيل للأزمة أم إصلاح ممنهج؟!

محمود الدباس : شكراً حكومة .. ولكن هل هي ترحيل للأزمة أم إصلاح ممنهج؟!
أخبارنا :  

محمود الدباس ــ ابو الليث


ليس من باب المجاملة أن نقول شكراً.. فالاستماع واجب على أي حكومة.. وحماية الحقوق أصل.. لا منّة.. والتدرج في القرارات.. التي تمس حياة الناس ضرورة لا هدية.. وما جرى من تعديل في مسار قانون الضمان.. يستحق التوقف عنده بميزان مهني.. لا بعاطفة مؤيدة.. ولا برفض مسبق..

لكن الشكر هنا ليس تصفيقاً.. وليس شيكاً مفتوحاً للثقة.. بل اعتراف بأن خطوة ما قد اتُّخذت.. ويبقى السؤال الأهم.. إلى أين تقود؟!..

تأجيل التطبيق إلى ما بعد 2030.. ومدّ التدرج حتى 2040 و2047.. يمنح المجتمع طمأنينة مرحلية.. ويخفف حدة الصدمة.. وهذا أمر مفهوم في إدارة الملفات الحساسة.. غير أن الضمان الاجتماعي.. لا يُقاس بإيقاع الشارع.. بل بإيقاع الأرقام.. ومعادلة الداخلين والخارجين.. وعدد المشتركين مقابل عدد المتقاعدين.. وهذه المعادلة لا تنتظر التهدئة..

إذا كانت قاعدة المشتركين تتآكل بفعل البطالة.. وإذا كان خلق فرص العمل الكبرى يسير ببطء.. وإذا كانت الاستثمارات لا تولد وظائف كثيفة كما نحتاج.. فإن أي تعديل في سن التقاعد.. سيبقى إجراءً على الهامش.. ما لم يترافق مع توسعة حقيقية للقاعدة التي تموّل النظام..

فالاستدامة لا تُبنى برفع السن وحده.. بل بزيادة عدد من يدفعون الاشتراك..

وهنا يكمن التخوف المشروع.. هل السنوات التي كسبناها.. ستكون ورشة إصلاح اقتصادي حقيقي.. أم ستكون فسحة زمنية لالتقاط الأنفاس.. ثم العودة إلى النقطة ذاتها.. وقد تكون أصعب حدة؟!..

ثم إن الحديث عن حوكمة شبيهة بنموذج البنك المركزي.. خطوة إيجابية نظرياً.. لكنها لا تكتمل.. إلا باستقلال فعلي.. لا شكلي.. استقلال في القرار الاستثماري.. وفي الإدارة.. وفي مجلس الإدارة ذاته..

ومن باب ترسيخ حسن النية.. لا بد أن يُعاد النظر في رئاسة وزير العمل لمجلس الضمان.. لأن صانع السياسة.. لا يفترض أن يرأس الجهة التي تقيس أثر تلك السياسة.. ولأن الضمان.. يجب أن يُحصّن من تقلب عمر الحكومات القصير.. مقارنة بعمر التزاماته الطويل..

لسنا ضد الإصلاح.. ولسنا دعاة تعطيل.. لكننا أيضاً لا نمنح ثقة مسبقة.. قبل أن نرى أثراً ملموساً في الأرقام.. في نسبة الإعالة.. في تحسن التحصيل.. في محاربة التهرب التأميني.. وفي تعظيم عوائد الاستثمار.. بحيث تدخل بفاعلية في معادلة التعادل الأولى.. لا أن يبقى العبء معلقاً حصرياً على الاشتراكات..

القضية ليست نوايا.. بل بنية.. وليست تصريحات.. بل نتائج قابلة للقياس.. فإن تحولت السنوات القادمة.. إلى خطة واضحة لتوسيع قاعدة المشتركين.. واستقطاب استثمارات مولدة للتوظيف.. وحماية أصول الصندوق باستقلال حقيقي.. فسنكون أول مَن يقول.. إن المسار كان إصلاحاً منهجياً..

أما إن بقيت البيئة كما هي.. بطالة مرتفعة.. اقتصاد غير منظم.. قرارات تتبدل بتبدل الحكومات.. فسنجد أنفسنا بعد عقد من الزمن.. نطرح السؤال ذاته.. ولكن بهامش أضيق وأعباء أثقل..

شكراً حكومة.. لأن الاستماع واجب وتم.. ولكن الثقة الكاملة.. لا تُمنح بالوعود.. بل تُبنى حين نرى الضمان أقوى رقماً.. وأوسع قاعدة.. وأكثر استقلالاً.. عندها فقط.. يمكن أن نقول.. إننا لم نؤجل الأزمة.. بل عالجناها من جذورها..

وإلى أن يحدث ذلك.. سنبقى نرصد.. ونسأل.. ونضع الأرقام فوق كل اعتبار؟!..



مواضيع قد تهمك