د. دانييلا القرعان : الأردن أولاً .. ولن يكون وقوداً لحروب الآخرين
في زمنٍ تتكاثر فيه النيران على حدود المنطقة، ويغري بعضهم بدفع الدول الصغيرة إلى أتون صراعات الكبار، يأتي موقف جلالة عبدالله الثاني بن الحسين حاسماً لا يقبل التأويل؛ الأردن لن يكون ساحة حرب لحروب الآخرين، وأمن الأردن فوق كل اعتبار، فهذا التصريح ليس للاستهلاك الإعلامي ولا هو رسالة عابرة في سياق سياسي مضطرب، بل هو إعلان عقيدة دولة تعرف حدودها جيداً، وتعرف أيضاً كيف تحميها.
الأردن لم يكن يوماً دولة هامشية في الإقليم، لكنه كذلك لم يكن تابعاً لأحد، وعلى امتداد عقود، دفع الأردنيون أثماناً باهظة نتيجة صراعات لم يصنعوها، وتحملوا أعباء أزمات لم يفتعلوها، مع ذلك حافظوا على تماسكهم الداخلي وصلابة مؤسساتهم، واليوم، حين يؤكد الملك أن أمن الأردن خط أحمر، فهو يستحضر ذاكرة وطنية تعرف معنى الفوضى وتدرك كلفة الانجرار خلف شعارات عاطفية أو حسابات خارجية.
إن من يظن أن الأردن يمكن أن يكون منصة لتصفية الحسابات أو ممرّاً لصراعات الآخرين، يخطئ في قراءة الدولة الأردنية، فلدينا مؤسسات راسخة في مقدمتها القوات المسلحة الأردنية، الجيش العربي، التي كانت وستبقى درع الوطن وسياجه المنيع كما لدينا قيادة سياسية لا تقايض على السيادة، ولا تسمح بأن يُفرض على الأردن دور لا يخدم مصلحته الوطنية.
الدعم الصريح لهذا الموقف ليس ترفاً سياسياً، بل واجب وطني. فالاستقرار الذي ينعم به الأردن ليس بالصدفة، بل نتيجة سياسة واعية تضع المصلحة الوطنية فوق أي اصطفاف، وتزن خطواتها بميزان الدولة لا بميزان الانفعال، والذين يطالبون بالمغامرة تحت عناوين شعبوية عليهم أن يجيبوا بوضوح، من سيدفع الثمن؟ من سيحمي الداخل إذا اشتعلت الجبهات؟ الإجابة يعرفها الأردنيون جيداً، ولذلك يلتفون حول موقف قيادتهم حين يتعلق الأمر بأمن الوطن.
الأردن مع الحق، نعم، لكنه ليس مع الفوضى، والأردن مع القضايا العادلة، لكنه ليس مع تحويل أرضه إلى ساحة تصفية الحسابات، هذا هو جوهر الرسالة الملكية: لسنا ساحة لأحد، ولسنا ورقة في يد أحد، وقرارنا سيبقى أردنياً خالصاً.
في إقليمٍ يضج بالاستقطاب والانفجار، يختار الأردن طريق الدولة المسؤولة، التي تعرف أن أعظم إنجاز يمكن أن تحققه لشعبها هو أن تحميه من ألسنة النار، أمن الأردن فوق كل اعتبار، هذه ليست عبارة تُقال، بل مبدأ يُطبّق، وسياسة تُصان، وخط لا يُسمح لأحد بتجاوزه.