الأخبار

د. هيقاء ابو غزالة : عام النيازك: قرارات من السماء وكاميرات بالأرض وحفر تبتلع المركبات

د. هيقاء ابو غزالة : عام النيازك: قرارات من السماء وكاميرات بالأرض وحفر تبتلع المركبات
أخبارنا :  

يبدو أن عام ٢٠٢٦ استُقبل في الأردن لا بتوقعات هادئة أو خطط إصلاحية، بل بعاصفةٍ من القرارات التي تسقط كأنها نيازك موسمية لا تعرف التمهّل.

وما يزال الخطاب الرسمي يصرّ على الجملة نفسها:
"هذا القرار لمصلحتكم… وللحفاظ على حياتكم.”
أمّا المواطن فيتساءل بواقعيته الساخرة: من يحافظ على حياتنا من هذه القرارات نفسها؟.

أول النيازك أطلقته عَمّان عبر أمانتها التي قررت أن مستقبل المدينة يبدأ بالكاميرات… والمزيد من الكاميرات.
كاميرات على الجسور، في الأنفاق، على الإشارات، في الطرق الفرعية، وعلى الأرصفة التي لا يمر عليها أحد إلا القطط.
والشعار واحد: "نراقبكم… حفاظًا على سلامتكم.”

لكن المفارقة الساخرة التي يعرفها الناس قبل المسؤولين هي:
كنا نتمنى لو وضعت الأمانة كاميرات لتعداد الحفر التي تنتشر مثل تضاريس كوكب آخر، لعلّها تتحفّز لإصلاحها بدلًا من الاكتفاء بتسجيل المخالفات.

وقبل أن يلتقط المواطن أنفاسه، هبط النيزك الأكبر:
مشروع قانون الضمان الاجتماعي المعدّل.

رفع سن التقاعد، زيادة سنوات الاشتراك، شروط أكثر تشددًا على شبابٍ يبحث أساسًا عن فرصة عمل واحدة… وكل ذلك يُباع للناس تحت عنوان "الإصلاح”.
لكن المفاجأة التي تُهمس بها الشوارع اليوم أقوى من نصّ القانون نفسه:
عدة أشخاص يديرون مؤسسة الضمان الاجتماعي بمجالسها الاستثماري ومجلس ادارتها .
مؤسسة تُمسك مستقبل ملايين المواطنين، بينما إدارتها العليا تُدار خلف ستائر سميكة لا يراها أحد .

"والآن، القانون في حضن البرلمان… ونأمل من نوابنا أن يضعوا مصلحة المواطن أولًا.”

وبين هذا وذاك، جاءت "هدية” أخرى لا تقل غرابة:
فاتورة الكهرباء المريخية.
فاتورة ترتفع وكأن الطاقة تُنقل لنا من محطة على كوكب بعيد، لا من شبكة وطنية.
أرقامٌ تتضاعف، بنودٌ تتكاثر، وفاتورةٌ تجعل المواطن يفكر إن كان يدفع ثمن الكهرباء… أم ثمن الضوء الذي يضيء عينيه حين يفتح الكشف الشهري.

ووسط الضجيج، هناك حقيقة واحدة تعرفها الحكومات جيدًا، وتراهن عليها بثقةٍ تامة:
نحن شعب يحترم القانون.
نغضب، نتكلم، نصرخ، نكتب، ننتقد، ثم حين يصبح القرار نافذًا نقول جملة واحدة تتكرر منذ عقود:
"خَلَص… صار قانون. شو بدّك تعمل؟”
لذلك هم مطمئنون… مطمئنون جدًا.
لا خوف من الغضب؛ فالغضب في الأردن قصير العمر، بينما القرارات دائمة ومحصّنة.

ومع أن بداية كل عام عادة تكون مرحلة ترتيب أولويات وفتح نافذة صغيرة للأمل، إلا أن ٢٠٢٦ اختار أن يكون عام الفزع المبكّر؛ قرارات تتسابق، رسوم تُضاف بلا سابق إنذار، تحديثات إلكترونية ترهق أكثر مما تُسهّل، وسماءٌ حكومية ما زالت مفتوحة على نيازك محتملة أخرى.

ورغم كل شيء… يبقى الأردني واقفًا، ساخرًا، ثابتًا على طبيعته.

يبتسم ابتسامة لا يعرف سرّها إلا من عاش هنا، ابتسامة تقول: "إذا هكذا كانت بداية السنة… الله يستر من منتصفها. أمّا آخرها فمفتوح على الغيب.”

رمضان كريم..



مواضيع قد تهمك