سائد كراجة : أبو سارة الهاكابي
تصريح السفير الأميركي في إسرائيل ليس تطرفًا شخصيًا، بل امتداد لتيار الصهيونية المسيحية داخل اللاهوت البروتستانتي الإنجيلي، وهو تيار يرى في قيام إسرائيل تحققًا لترتيب إلهي يرتبط بسردية "نهاية الزمان”. ومع ذلك، فهو اتجاه داخل المسيحية لا يمثل أغلب طوائفها، كما أن تطرف داعش لا يمثل الإسلام، وداخل اليهودية نفسها تيارات ترفض تسييس العقيدة وترى أن إقامة دولة إسرائيل تخالف المشيئة الإلهية وتمثل تدخلًا بشريًا في مسار الشتات.
في الحالة الأميركية، تلاقت القناعة الإنجيلية الشعبية مع حسابات الأمن
القومي ومصالح أميركا في المنطقة، فتحول الخطاب اللاهوتي إلى عنصر ضمن
معادلة نفوذ أوسع، حيث يتداخل الدين والسياسة في توظيف متبادل للمصالح
والأهداف.
من هذه الزاوية قد تتبلور فكرة «إسرائيل الكبرى» لا كتوسع مباشر بالضرورة،
بل كنموذج يهدف إلى قيام إسرائيل على كامل تراب فلسطين التاريخية، محاطة
بدول ضعيفة أو منهكة بصراعات إثنية أو دينية أو عوز اقتصادي، بما يضمن
تفوقًا إسرائيليًا طويل الأمد. بعد حرب غزة، تصاعد خطاب يقارن صغر إسرائيل
باتساع العالم العربي، وظهرت عبارات عن "وطن بديل” أو حلول مصرية وأردنية،
في سياق يمهّد نظريًا لفكرة التهجير ذاتها التي مارستها إسرائيل عام 1948.
غير أن هذا النموذج يصطدم بمعضلة ديموغرافية فلسطينية واضحة؛ فتبقى أمام
إسرائيل كتلة سكانية يصعب تجاوزها. تركها دون حل سياسي جامع يهدد التفوق
السكاني اليهودي ويعمّق اتهامات الفصل العنصري، ما يفتح الباب أمام إدارة
مجزأة أو ضغوط قد تدفع إلى الهجرة. هذه الاحتمالات تنعكس مباشرة على الأردن
وتهدد مصالحه العليا.
أمام هذا المشهد، المطلوب تحرك متكامل على ثلاث دوائر مترابطة: فلسطينية، أردنية، وعربية.
فلسطينيًا، أزف الوقت لإعادة ترتيب العلاقة وتبادل الأدوار بين السلطة
الفلسطينية ومنظمة التحرير، بحيث تستعيد المنظمة موقعها كمرجعية سياسية
عليا وصاحبة القرار الاستراتيجي. أزف الوقت لإنهاء الانقسام بقرار ملزم.
أزف الوقت، إن لم يكن قد فات، لمراجعة اعترافات أوسلو المتبادلة في ضوء
سلوك الطرف الآخر؛ فإن حل الدولتين قد مات. لوّحوا — على الأقل لوّحوا—
بإعلان خيار الحقوق المتساوية ضمن إطار مؤسسي منظم، ولوّحوا بالدعوة إلى
مؤتمر شعبي للمبادرات التي تدعو لحل الدولة الواحدة، مع تفعيل المسار
القانوني الدولي لتحويل كل خطوة ضمّ إلى كلفة سياسية واضحة.
أردنيًا، حان الوقت لمراجعة نهج المجاملة الدبلوماسية مع السلطة
الفلسطينية، مع الحفاظ على روح الأخوّة واستمرار الدعم. المطلوب حوار صريح
ومسؤول يدفع نحو تغيير النهج القائم إذا ثبت أنه لا يواكب خطورة المرحلة.
كما يجب أن يكون الموقف الأردني واضحًا بأن أي محاولة لفرض تهجير باتجاه
الأردن ستُواجَه بقرارات سيادية حاسمة، ومنها — إن اضطر الأمر — إجراءات لا
يرغب الأردن في الوصول إليها، كإغلاق الحدود. إن بقاء السلطة في موقع
المتفرج أمام مسار الضمّ والتغيير الديموغرافي لا يهدد الفلسطينيين وحدهم،
بل ينعكس مباشرة على مصالح الأردن العليا واستقراره الوطني.
عربيًا، لم يعد كافيًا الاكتفاء ببيانات التضامن، بل بات مطلوبًا الانتقال
إلى إطار تنسيقي فعلي عبر الإعلان عن مجلس انحياز عربي ينحاز صراحةً لتطبيق
القانون الدولي. يقود هذا المجلس السعودية، بما تحمله من ثقل سياسي
ودبلوماسي واقتصادي يؤهلها لمثل هذا الدور، بالشراكة مع الأردن ومصر، على
أن يعمل على رفع الكلفة السياسية والاقتصادية لأي مسار يقود إلى ضمّ أو
تغيير ديموغرافي قسري. ويمكن توسيع هذا الإطار ليكتسب عمقًا دوليًا من خلال
انفتاحه على قوى مؤثرة مثل باكستان والصين وروسيا، بما يمنح المجلس بعدًا
استراتيجيًا ورسالة واضحة للمرحلة مفادها أن حماية القانون الدولي لم تعد
شأنًا قطريًا، بل مسؤولية جماعية.
وأنا أستمع إلى مقابلة السفير، لم أستطع مقاومة فكرة تشابه خطاب أبو سارة الهاكابي وأبو بكر البغدادي.
ومع ذلك، فإن الصراع ليس صراع نصوص، بل صراع مشاريع قوة. توحيد القرار
فلسطينيًا، وضوح الموقف أردنيًا، وبناء غطاء عربي منظم، هي عناصر أي مشروع
مقابل. حين يغيب المشروع البديل، يتقدم المشروع الأقوى. ــ الغد