محمد مطلب المجالي : من “المسألة الشرقية” إلى فوضى الشرق الأوسط
ليست السياسة الدولية كتابًا جديدًا يُكتب كل يوم، بل صفحات قديمة تُعاد قراءتها بأسماء مختلفة ووجوه متبدلة. فمن يفتح كتب التاريخ، ويتأمل ما جرى للدولة العثمانية في أوج قوتها ثم في زمن ضعفها، يدرك أن ما نعيشه اليوم في عالمنا العربي والإسلامي ليس سوى نسخة معاصرة من سيناريو قديم، أُعيد إخراجه بلغة العصر وأدواته.
حين كانت الدولة العثمانية قوية، متماسكة، تمسك بمفاصل الجغرافيا والسياسة، أطلق الغرب على تعاملهم معها مصطلح «المسألة الشرقية»؛ أي كيف يمكن احتواؤها، وكيف يمكن تحجيم دورها، وكيف يمكن منعها من أن تكون قوة فاعلة في ميزان العالم. لم يكن السؤال يومها أخلاقيًا ولا إنسانيًا، بل كان سؤال مصالح بحتة: كيف نوقف هذا العملاق عن التمدد؟ وكيف نكسر شوكته دون أن ندخل حربًا شاملة؟.
ثم دارت الأيام، وضعفت الدولة، وبدأت الثورات والتمردات، وتوالت الهزائم والانقسامات، فانتقل الخطاب من «المسألة الشرقية» إلى وصفها بـ «الرجل المريض». وحين يوصف كيان سياسي بأنه مريض، فإن القرار يصبح جاهزًا: لا بد من تقسيمه، وتوزيع تركته، وتقاسم ولاياته. وهكذا اجتمعت القوى الكبرى، لا لإنقاذه، بل لتحديد نصيب كل طرف من جسده المنهك.
اليوم، ونحن ننظر إلى واقع العالم العربي والإسلامي، نجد المشهد يكاد يكون مطابقًا للصورة القديمة. دول تُحاصر، وأخرى تُنهك بالحروب، وثالثة تُفتّت بالطائفية والعرقية، ورابعة تُدار أزماتها من الخارج. العناوين تغيّرت: «حقوق الإنسان»، «محاربة الإرهاب»، «نشر الديمقراطية»، لكن الجوهر واحد: إعادة رسم الخريطة بما يخدم مصالح القوى الكبرى، لا بما يخدم شعوب المنطقة.
إن أخطر ما في هذا المشهد ليس فقط تدخل الخارج، بل قابلية الداخل للاختراق. فالدولة العثمانية لم تسقط يوم قرر الغرب إسقاطها، بل حين تآكلت من داخلها، وضعفت مؤسساتها، وتنازعت ولاياتها، وغابت عنها الرؤية الجامعة. وكذلك اليوم، فإن أوطاننا لا تُهدَّد فقط بالطائرات والصواريخ، بل تُهدَّد قبل ذلك بالفرقة، وبالخطاب المتشنج، وبالولاءات الضيقة التي تتقدم على مفهوم الوطن والأمة.
وحين نقول إن التاريخ يعيد نفسه، فنحن لا نردد شعارًا أدبيًا، بل نصف واقعًا سياسيًا يتكرر بدقة مقلقة: قوة تُستهدف حين تقوى، وتُقسَّم حين تضعف، وتُستباح حين تفقد وحدتها. وأدوات الأمس تعود اليوم بأسماء جديدة، لكن بغايات قديمة: السيطرة، والهيمنة، ونهب الموارد، وإبقاء المنطقة في حالة عدم استقرار دائم.
أما المقولة التي ترددت قديمًا وحديثًا: «الكفر ملة واحدة»، فهي في بعدها السياسي تعني أن المصالح الكبرى حين تتقاطع، تتجاوز خلافاتها الثانوية لتتفق على هدف واحد، بينما يبقى أهل المنطقة أسرى خلافاتهم الصغيرة، يتنازعون على الفتات، ويتركون الكعكة الكبرى تُوزَّع من فوق رؤوسهم.
وليس من الحكمة أن نُجمِّل الأعداء، ولا أن نترك أياديهم مبسوطة في حدودنا وعقولنا ومصائرنا، تحت عناوين براقة وشعارات مخادعة. فالأمم لا تُهزم حين تُقصف فقط، بل حين تُسلِّم قرارها لغيرها، وحين تنشغل بصراعاتها الصغيرة عن أخطارها الكبرى.
ليس المطلوب البكاء على أطلال التاريخ، ولا اجترار الهزائم، بل استخلاص الدرس: أن الأمم التي لا تقرأ تاريخها، محكوم عليها أن تعيشه من جديد، ولكن بثمن أكبر. وأن القوة لا تُقاس بالسلاح وحده، بل بوحدة القرار، وبوجود مشروع وطني جامع، وبقدرة الدولة على تحصين مجتمعها من التفكك.
لقد سقط «الرجل المريض» يومًا لأن جسده تمزق من الداخل قبل أن تمزقه أيادي الخارج. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل نتعلم من الدرس، أم نترك التاريخ يكتب الفصل ذاته، ولكن بأسماء دولنا هذه المرة؟.
إن ما يجري في عالمنا العربي والإسلامي ليس قدرًا محتومًا، بل نتيجة سياسات يمكن تغييرها، وإرادات يمكن توحيدها، ووعي يمكن بناؤه. أما الاستمرار في الدوران داخل الحلقة ذاتها، فلن ينتج إلا مزيدًا من «المسائل الشرقية» الجديدة، ومزيدًا من «الرجال المرضى» الذين ينتظرون التقسيم باسم الإنقاذ.
وصدق القائل: يا أمةً ضحكت من هَوْلِها الأمم… حين صار العدو صديقًا في الخطاب، والفرقة عنوانًا في الواقع، والتاريخ مرآة لا نريد أن ننظر فيها.