الأخبار

صالح الشراب العبادي : سنن سقوط النخب: من الإنذار القرآني إلى فضيحة إبستين

صالح الشراب العبادي : سنن سقوط النخب: من الإنذار القرآني إلى فضيحة إبستين
أخبارنا :  

ليست سنن سقوط النخب حوادث استثنائية، بل مسارات تتكرر حين تتشابه الشروط ، فالقرآن الكريم ، حين يقول: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا﴾، لا يصف زمنًا غابرًا، بل يضع قانونًا اجتماعيًا: الانهيار يبدأ من القمة، لا من القاع ، فحين تنحرف النخبة التي تملك القرار والمال والرمزية وتوجيه السلطة ، تتصدّع الثقة، ويبدأ التفكك من الداخل.

في هذا السياق، لا تُقرأ قضية Jeffrey Epstein بوصفها ملفًا جنائيًا معزولًا، بل باعتبارها مرآة تكشف هشاشة منظومات المساءلة حين تتقاطع السلطة بالمال والشهرة وبالتالي بالعصابات الفاسدة بالعمق والتشابك ، فالخطر الحقيقي لا يكمن في شخص واحد، بل في البيئة التي تسمح لشبكات نفوذ مغلقة بأن تعمل طويلًا دون مساءلة فعّالة، وأن تشتري الصمت أو تؤجله.

القراءة التحليلية الرشيدة تميّز بين القاعدة والتطبيق: لا يجوز التعميم أو اتهام أفراد بلا أحكام قضائية، لكن يجوز بل يجب ، تفكيك الظاهرة ، الظاهرة هنا هي انحراف بنيوي حين تُلتقط الدولة أو مؤسساتها من قبل نخبة تشعر بأنها فوق القانون، أو قادرة على تطويعه ، عند هذه النقطة، لا يعود الفساد خطأً فرديًا، بل يتحول إلى نظام حماية متبادل.

تتجلى سنّة "فسق المترفين” اليوم في علامات معروفة علميًا: انتقائية القانون، تركز الثروة، تآكل الطبقة الوسطى، وتضييق المجال العام ، وتجويع الشعوب حتى يبقوا تابعين يلهثون وراء لقمة عيشهم بدون ادنى تفكير ، ومسك خطوط اللعبة السياسية ، والخروج من دائرة الفطرة الإنسانية إلى ابعد مدى في عالم الرذيلة ، ومع كل علامة تتآكل شرعية المؤسسات. فالدول لا تسقط فجأة؛ تسقط حين يفقد الناس إيمانهم بعدالة الإنسانية ، وحين تصبح القواعد مرنة للأقوياء وقاسية على الضعفاء.

وثمّة بُعد أشدّ خطورة يسرّع السقوط: القطيعة مع فكرة الحساب ، حين لا يؤمن أصحاب النفوذ بإنذارٍ أخلاقي أعلى، ويتعاملون مع الحياة بوصفها الفرصة الوحيدة للاستهلاك واللذة والقوة، يتحرر الفساد من أي كابح داخلي ، عندها لا يصبح الظلم انحرافًا، بل خيارًا "عقلانيًا” في منظومة ترى أن لا حياة بعد هذه الحياة، ولا تبعات أخلاقية تتجاوز قانونًا وضعيًا قابلًا للالتفاف ، هنا يعمل الإنذار القرآني لا كرادع ذاتي، بل كقانون تاريخي من خارج إرادتهم: غياب الإيمان بالمساءلة يُنتج سلطة بلا ضمير، وامتيازًا بلا حدود.

قضية إبستين ، بما أثارته من أسئلة حول التأخير، والتواطؤ المحتمل، وحماية النفوذ ، وتدمير السلطات فيما بعد ، ورفض الفطرة السليمة ، كشفت أيضًا أن الأنظمة الديمقراطية ليست محصّنة تلقائيًا ، فالديمقراطية، بلا شفافية ومساءلة متواصلة، يمكن اختراقها ، وما يهزّ المجتمعات ليس وقوع الجريمة فقط، بل الإحساس بأن العدالة قد تُؤجَّل أو تُدار انتقائيًا.

من هنا، تتقاطع القراءة القرآنية مع علم الاجتماع السياسي الحديث: حين تنفصل النخبة عن المجتمع، وتتحول من حارس للعقد الاجتماعي إلى مستفيد منه، تبدأ دورة السقوط ، لا عبر الدبابات بالضرورة، بل عبر فقدان الثقة، وانكفاء المشاركة، وتفكك المعنى العام.

الخلاصة ليست اتهامًا، بل تحذيرًا: إن استقرار الدول لا يُقاس بصلابة الخطاب، بل بعدالة البنية ، وحماية المجتمعات لا تبدأ بتلميع القمم، بل بإخضاعها للمساءلة ، فالسنن لا تحابي أحدًا؛ ومن يتجاهل الإنذار، أيًا كان موقعه، يسرّع النتيجة.

إنها رسالة زمننا: إما نخبة تؤمن بأن التمكين تكليف ومسؤولية اخلاقية قبل ان تكون قانونية ، أو تاريخ يعيد نفسه بأسماء جديدة و بصفات فساد جديدة .

مواضيع قد تهمك