أ. د. مصطفى محمد عيروط : شهر رمضان المبارك… مدرسة القيم والرأي الرشيد
يأتي شهر رمضان المبارك كل عام ليجدد في النفوس معاني الإيمان، ويعيد ترتيب منظومة القيم الفردية والمجتمعية، بوصفه شهر عبادة وسلوك، وشهر بناء للإنسان والعقل معًا. ولم يكن الإسلام في تشريعاته ورسالته مجرد دعوة روحية، بل مشروعًا حضاريًا متكاملًا يقوم على ترسيخ الرأي المسؤول، واحترام الرأي الآخر، واعتماد الإقناع والتوجيه الحكيم، ورفض التحريض والإساءة والتشكيك، حفاظًا على تماسك المجتمع وأمن الدولة واستقرارها.
لقد أرست الشريعة الإسلامية مبدأ حرية الرأي المنضبط بالقيم، فالدعوة إلى الله كانت دائمًا قائمة على الحكمة والموعظة الحسنة، لا على القهر أو الإكراه. وفي رمضان تتجلى هذه المعاني بوضوح؛ فالصائم يُدرّب نفسه على ضبط اللسان قبل الجوارح، وعلى أن يكون رأيه مسؤولًا، وكلمته محسوبة، وأثره إيجابيًا في محيطه الأسري والاجتماعي.
كما أكد الإسلام على احترام الرأي والرأي الآخر ما دام في إطار الأدب والموضوعية والمصلحة العامة، بعيدًا عن التجريح والتخوين وبث الفتن. فالاختلاف سنة كونية، لكنه في الإسلام اختلاف تنوع لا صراع، وحوار لا تحريض، وإقناع لا إساءة. ومن هنا، فإن رمضان هو فرصة لإعادة إحياء ثقافة الحوار الهادئ، والاستماع المتبادل، وتقديم الحجة بالحكمة، لا بالصوت العالي أو الاتهام.
وفي هذا السياق، يرسخ رمضان مبدأ التوجيه المناسب في الوقت المناسب؛ فالكلمة الطيبة صدقة، والنصيحة في الإسلام تُقدَّم بلطف، وبقصد الإصلاح لا التشهير، وبهدف البناء لا الهدم. أما التحريض، ونشر الشك، والإساءة للأشخاص أو للمؤسسات، فهي ممارسات تتناقض مع جوهر الصيام وأخلاقه، وتُضعف الثقة المجتمعية، وتفتح أبواب الفوضى والانقسام.
ومن القيم الكبرى التي يعمّقها رمضان الوقوف مع الدولة والحفاظ على الأمن والاستقرار، فالإسلام جعل حفظ الأمن من أعظم النعم، وربط بين الاستقرار والقدرة على العبادة والعمل والإنتاج. ولا يمكن لمجتمع أن ينهض في ظل الفوضى أو التشكيك المستمر أو تقويض الثقة، لذلك فإن المسؤولية الوطنية تقتضي دعم مؤسسات الدولة، واحترام القانون، والمساهمة في تعزيز السلم المجتمعي، خاصة في أوقات التحديات.
إن شهر رمضان ليس شهر انفعال، بل شهر وعي؛ وليس موسم جدل عقيم، بل محطة لاستخلاص العِبرة، ومراجعة الذات، وتصويب السلوك الفردي والجماعي. وهو فرصة لنتعلم أن قوة المجتمعات لا تُقاس بكثرة الأصوات، بل برشدها، ولا بحرية الكلمة وحدها، بل بمسؤوليتها، ولا بالاختلاف، بل بكيفية إدارته.
ويبقى رمضان مدرسة سنوية لتجديد العهد مع قيم الإسلام السامية: رأيٌ رشيد، وحوارٌ محترم، وإقناعٌ حكيم، وولاءٌ وطني، وحرصٌ دائم على أمن الدولة واستقرارها، حتى يكون الصيام سلوكًا، والإيمان نهج حياة، والوطن بيتًا آمنًا يتسع للجميع.
مصطفى محمد عيروط