الأخبار

حجازي البحري المحاميد : تعديلات الضمان: هل آن الأوان لمراجعة الرواتب المرتفعة؟

حجازي البحري المحاميد : تعديلات الضمان: هل آن الأوان لمراجعة الرواتب المرتفعة؟
أخبارنا :  

في ظل النقاشات المتجددة حول تعديل قانون الضمان الاجتماعي في الأردن، تبرز مسألة الرواتب التقاعدية المرتفعة كأحد أكثر الملفات حساسية وتأثيراً على استدامة صندوق الضمان. فبينما يُفترض أن يقوم النظام التأميني على مبدأ التكافل والعدالة بين المشتركين، تشير المعطيات إلى وجود فجوة واضحة بين الرواتب التقاعدية المرتفعة جداً ومتوسط رواتب المتقاعدين، الأمر الذي يستدعي مراجعة جادة ومتوازنة.

يقوم الضمان الاجتماعي في جوهره على معادلة دقيقة: اشتراكات حالية تموّل التزامات مستقبلية. وأي خلل في هذه المعادلة ينعكس مباشرة على قدرة الصندوق في الإيفاء بالتزاماته طويلة الأمد. وفي هذا السياق، فإن استمرار صرف رواتب تقاعدية مرتفعة جداً – خاصة تلك التي نشأت نتيجة ثغرات تشريعية سابقة أو مدد اشتراك قصيرة قياساً بقيمة الراتب – يطرح تساؤلات مشروعة حول العدالة بين الأجيال، وحول كفاءة إدارة المخاطر الاكتوارية.

لا يمكن النظر إلى هذا الملف من زاوية شعبوية أو انفعالية، فحقوق المشتركين الذين التزموا بالقانون لا يجوز المساس بها تعسفاً. لكن في المقابل، فإن المصلحة الوطنية تقتضي إعادة تقييم بعض الآليات، لا سيما ما يتعلق بسقف الأجر الخاضع للاقتطاع، وآلية احتساب الراتب التقاعدي، والامتيازات الاستثنائية التي منحت في فترات معينة.

إن الهدف ليس تقليص الحقوق، بل إعادة ضبط التوازن بين مبدأ العدالة الاجتماعية ومبدأ الاستدامة المالية. فحين يحصل عدد محدود من المتقاعدين على رواتب عالية جداً مقارنة بمتوسط الدخل الوطني، في حين يكافح الصندوق لضمان زيادات عادلة لبقية المتقاعدين، فإن الإشكالية لا تكون في قيمة الراتب بحد ذاتها، بل في هيكل النظام الذي أنتج هذا التفاوت.

كما أن أي إصلاح حقيقي يجب أن يستند إلى دراسات اكتوارية شفافة، تُعرض نتائجها للرأي العام، بحيث يدرك المواطن حجم التحديات الفعلية التي يواجهها الصندوق. فالإصلاح التشريعي لا يكون ناجحاً إلا إذا اقترن بالوضوح والمصارحة.

لقد أثبتت التجارب الدولية أن أنظمة الضمان التي تتجاهل مؤشرات الاختلال مبكراً تجد نفسها أمام قرارات قاسية لاحقاً. ومن هنا، فإن إعادة النظر في ملف الرواتب التقاعدية المرتفعة، ضمن إطار قانوني عادل ومتدرج، قد يكون خطوة ضرورية لحماية أموال المشتركين وضمان استمرارية الصندوق للأجيال القادمة.

إن المطلوب اليوم ليس إجراءات آنية، بل رؤية إصلاحية متكاملة توازن بين حماية الحقوق المكتسبة، ومنع تشكل امتيازات غير مبررة مستقبلاً، وتعزيز ثقة الأردنيين بمؤسستهم التأمينية الوطنية.

فاستدامة الضمان الاجتماعي ليست خياراً سياسياً، بل ضرورة اقتصادية واجتماعية تمس كل بيت أردني.




مواضيع قد تهمك