الأخبار

محمد رفيع : «القوّةُ والتجارة»

محمد رفيع  «القوّةُ والتجارة»
أخبارنا :  

ثلاثة أحداث أساسية، وبلا رابطٍ يجمعها، لعبت الدور الأبرز في تحديد تاريخ البشرية، خلال الألفية الثانية، التي غادرناها منذ أكثر من عقدين، هيَ؛ «الطاعون الأسود..»، في القرن الرابع عشر، وعملية دمج العالم الجديد بالعالم القديم، في القرن السادس عشر، والثورة الصناعية الأوروبية، في القرن التاسع عشر.

هذا ما يقرّره «رونالد فيندلي..»، و«كيفن اورورك..»، أستاذا الاقتصاد، في جامعتي كولومبيا ومعهد دبلن، على التوالي. وذلك من خلال دراستهما للتجارة والحرب والاقتصاد العالمي، خلال الألفية الثانية، ما أوصلهما إلى تحديد مسارين حاسمين ومتلازمين، في تاريخ الإمبراطوريات والدول والبشر، هما: «الوَفْرَة والقوّة..»، فماذا عن مسارات ألفيتنا الثالثة..؟

مَن يجرؤ، مِن الباحثين، على المغامرة، بالتأريخ لفترة ألف عام من تاريخ الاقتصاد البشري، أيّ ما بين العام ألف ميلادي وحتى اليوم..؟ بل وأيّة نتائج يمكن أن يخرج بها الإنسان، عن علاقة الوفرة الاقتصادية والقوة، وتلازمهما، في حياة الأمم، لتكون مُرشداً لها في الأداء لألف عامٍ قادمة..؟! ومِن دون التسرّع، يفقد السؤال وجاهته، إذا ما تذكّرنا أنّ هناك من يتطوّعون لكتابة تاريخ البشرية كلّه، بل والكون أيضاً، في بضع مئات من الصفحات..!

في مدرسة «الحوليّات..» لقراءة التاريخ، وهي مدرسة فرنسية، تشكّلت في فرنسا، في ثلاثينيات القرن العشرين، هناك تأكيد على ضرورة فهم أحداث التاريخ على ضوء «السياقات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية والطبيعية التي أنتجتها». ما يعني أنّ تلازم التداخل «بين تطور التجارة وتطور القوى»، جعل أمر «الثورة الصناعية الأوروبية..»، خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، ليس هو السبب الوحيد أو الأساسي، في تقدّم الغرب وتخلّف الشرق، على الرغم من أهمية الدور الذي لعبته تلك الثورة. لتصل إلى نتيجةٍ، مؤدّاها أنّ التقدم لم يخترعه الأوروبيون، فتاريخ العالم لم يكن في حالة انتظار، حتى وصل الامبرياليون الأوروبيون، مِن أجل أن «يفرضوا على العالم قوتهم ومنظومة قيمهم..»، كما يقول الباحثان الأميركيان. ذلك أنّ مراكز ثقل العالم تنقّلت تبعا للمناطق التي شهدت ازدهار الاقتصاد والتجارة. وخير دليل على ذلك هو العالم الإسلامي، الذي كان «مركز ثقل عالمي..»، على الصعيد الاقتصادي، في فترة العصور الوسطى، وخصوصاً في منطقة حوض المحيط الهندي.

أما لطخة العار الحضاري، وما ينبغي ألّا تنساه البشرية، وتسعى للتكفير عنه، ما استطاعت إلى ذلك سبيلا، فهو أنّ «التجارة المُثَلّثة..»، أي تجارة العبيد، بمسارها عبر (أوروبا، إفريقيا، أميركا)، كانت الأساس في أصل (التكدّس) والمراكمة، الذي سَمح بازدهار أوروبا. وبعدها، تمكّنت القارّة، التي صارت عجوزاً، عبر الثورة الصناعية، من التوفيق «بين امتلاك شروط القوة وتوسيع مجالها التجاري». فاستخدام القوة عندما اقتضى الأمر، هو ما جعلها تحتل مرتبة صدارة التطوّر الاقتصادي، خلال القرن التاسع عشر. كما أنّ فهم بريطانيا، لشروط وقواعد التداخل، بين القوة والنشاط التجاري، هو ما جعلها تتصدّر قيادة القارّة الأوروبية، في تلك الفترة. وهو بالضبط، وإن اختلفت الأشكال، ما يحكم مسار ألفية البشرية الثالثة حتى الآن، ولكن بقيادة أميركية هذه المرّة. ــ الراي

fafieh@yahoo.com

مواضيع قد تهمك