د. حازم قشوع : مخاض فى سمة البطة العرجاء
د. حازم قشوع
لم تعد الانتخابات الإسرائيلية شأناً داخلياً محصوراً في تشكيل الحكومة وتوزيع المقاعد، بل باتت جزءاً من معادلة إقليمية تتداخل فيها الحسابات السياسية والأمنية، وتتقاطع فيها نتائج صناديق الاقتراع مع اتجاهات المؤسسة العسكرية وحدود القدرة على توسيع المواجهة وفق مدخل سياسي يبرز العودة العربية إلى صناديق الاقتراع بوصفها مؤشراً على تحول في طبيعة التأثير داخل المشهد الإسرائيلي، وفي قدرة الصوت العربي على الدخول في حسابات القرار.
لقد حملت مشاركة الجماهير العربية فى الانتخابات الاسرائيلية رسالة تتجاوز حدود التمثيل البرلماني وتعكس رفضاً لسياسات حكومة بنيامين نتنياهو وائتلافها اليميني المتشدد ومع التقديرات التي منحت القوائم العربية 18 مقعداً، بات الصوت العربي رقماً مؤثراً في معادلة تفتقر فيها الكتل المتنافسة إلى أغلبية واضحة، الأمر الذي يعيد طرح سؤال العلاقة بين التمثيل السياسي العربي ومستقبل القرار الإسرائيلي.
وفي موازاة ذلك، برزت الخلافات حول الخيارات العسكرية
بين نتنياهو ورئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير التى ظهرت قبل الانتخابات لتكشف عن حدود التوافق داخل المنظومة الإسرائيلية بشأن الذهاب إلى مواجهة إقليمية جديدة. وهنا تتجلى العبرة المشتركة؛ فالتصويت العربي الرافض لنهج نتنياهو، والتحفظ على الانزلاق إلى حرب أوسع، وإن اختلفا في المنطلقات والدوافع، قد يلتقيان في المضمون والنتائج، عبر تضييق هامش المناورة أمام رئيس الحكومة والحد من قدرته على توظيف التصعيد في إعادة ترتيب المشهد السياسي والأمني.
غير أن أهمية هذه اللحظة لا تتوقف عند البوابة الإسرائيلية،
بل تمتد إلى واشنطن، حيث يواجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الحليف السياسي لنتنياهو وشريكه في الرؤية القائمة على توظيف القوة لفرض الترتيبات الإقليمية، ضغوطاً انتخابية متزايدة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس. وقد يؤدي فوز الديمقراطيين وسيطرة الموج الأزرق على الكابيتول إلى تحويل ترامب إلى ما يشبه «البطة العرجاء»، إذا فقد الغطاء التشريعي الذي يتيح له تمرير أجندته او بيان سياساته وهو ما قد يضع إدارته أمام ضغوط تدفعها إلى إعادة حساباتها في إدارة الملفات المرفوضه داخليا وغير المقبوله خارجيا للحد الذى جعلها تفقد اتزانها ويجعل مصيرها فى ضمير مستتر .
وعلى هذه الأرضية، يصبح المشهد الإسرائيلي والأمريكي قابلاً للقراءة ضمن سياق واحد؛ فنتنياهو يواجه معادلة سياسية وبرلمانية معقدة، قد تحد من قدرته على المناورة بعد نتائج الانتخابات التى جعلت منه بطة عرجاء فيما يواجه ترامب اختباراً انتخابياً يمكن أن يعيد رسم موازين القوى داخل الكونغرس. وإذا تزامن الضغط في الساحتين، فقد يجد نتنياهو نفسه أمام حليف لا تزال لديه أدوات السلطة التنفيذية، لكنه يصبح أكثر تقييداً في توظيفها، فيما تتراجع قدرة الشراكة السياسية بينهما على توفير الغطاء اللازم لفرض ترتيبات إقليمية بالقوة.
وهنا تهوي شرعية «السلام بالقوة» فى منزلق المشروعيه الشعبية بعد رفضها شعبيا بصناديق الاقتراع فالمشروعات التي تسعى إلى فرض السلام من خلال موازين القوة وحدها قد تصطدم بإرادة المجتمعات وبالتحولات الانتخابية التي تعيد إنتاج التوازنات داخل الدول المؤثرة. وليس المقصود أن
النتائج الإسرائيلية أو الانتخابات الأمريكية ستسقط هذا النهج حكماً، وإنما أن تزامن التحولات في الداخلين الإسرائيلي والأمريكي قد يفرض مراجعة جوهرية له، ويحد من قدرته على تحويل التفوق العسكري إلى تسوية سياسية مستدامة.
وفي هذا السياق، تبرز دلالة أوسع لعودة الإنسان العربي إلى التأثير من داخل مؤسسات القرار، سواء عبر صناديق الاقتراع في إسرائيل أو من خلال المشاركة السياسية للعرب الأمريكيين والناخبين الذين تتقاطع مواقفهم مع رفض الحروب وسياسات الإكراه. فهؤلاء لا يشكلون بالضرورة كتلة واحدة، ولا يتحركون وفق برنامج موحد، لكن حضورهم في المجال الانتخابي يفتح مسارات للتأثير في حسابات الأحزاب والحكومات، ويؤكد أن المعركة على مستقبل الشرق الأوسط لا تُدار في ساحات المواجهة وحدها، بل تمتد إلى المجتمعات التي تمنح القرار السياسي شرعيته الانتخابية.
ولعل العودة العربية من داخل بيت القرار الامريكي والإسرائيلي يظهر ان الارادة السلمية قادره على التغير وان أدوات المشاركة والتأثير قادرة على تغيير موازين الحسابات الامنية والعسكرية لاسيما ان التقت هذه الأدوات مع تحولات داخلية في إسرائيل والولايات المتحدة تناوء هذه السياسات فإنها قد تسهم في إعادة رسم التوازن الإقليمي في الشرق الأوسط، والانتقال من منطق فرض الوقائع إلى منطق الاعتراف بالمصالح والحقوق، وفي مقدمتها الحقوق الفلسطينية والقدس التي لا يمكن لأي مشروع سلام أن يتجاوزها وهى الارضية التى يقف عليها الملك عبدالله بمنهجه عمل عبر السلام المفضى للتنمية المستند لتيار عالمي واسغ التاثير الذى يمثله نهج الناتو ومنهجيه
الامم المتحده وعواصم بيت قرارها فى لندن وباريس ونيويورك ما بينته مواقفها بالشكل والمضمون فى ساحه الامميه .
فالعبرة ليست بوحدة المنطلقات، وإنما بما تحمله النتائج
من مضمون مشترك فعندما تتقاطع أصوات الناخبين مع حسابات المؤسسات، تضيق مساحات المناورة أمام دعاة التصعيد، ويصبح السلام الحقيقي بحاجة إلى إرادة سياسية تقبل بالشراكة والحقوق وترفض منهجية القوة التى تسعى
لفرض سياساتها بإحادية تقوم على الاذعان وتجعل من شركاءها يبحثون عن خيار اخر يبتعد عنها نتيجه ما تقف عليه منهجيتها من صهيونيه اثنية ضيقه .
ومن على هذه الأرضية، يمكن للعودة العربية أن تتحول من حدث انتخابي ظاهر إلى مدخل سياسي بائن يسعى لإعادة هندسة التوازنات الإقليمية، بما يجعل الإنسان شريكاً في صناعة القرار، لا مجرد متلقٍ لنتائجه وهو المتفير الدقيق الذى اخذ يعيد ترسيم بيت القرار لسياسة نهجه فى هذه المحطه الفاصله والمفصليه التى يمر فيها بيت القرار الاقليمي والدولي وهذا ما يجعل من نوفمبر القادم يشكل نقطه تحول والعام القادم يشهد تغيير نهج بعد عمليه "حوصلة السلطه فى بيت الحكم وفق سمة البطة العرجاء" .