د. خالد الشقران : استهداف الأونروا في القدس: من مصادرة المقرات إلى تقويض النظام الدولي
يمثل استهداف وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) التابعة للأمم المتحدة في القدس المحتلة تحولاً خطيراً في طبيعة الصراع، وانتقالاً من سياسة التضييق على المؤسسات الدولية إلى محاولة إعادة تشكيل الواقع السياسي والقانوني والتاريخي للمدينة بالقوة.
وفي هذا الإطار تكشف مصادقة الحكومة الإسرائيلية على تحويل مقر الأونروا في حي الشيخ جراح إلى منشآت عسكرية إسرائيلية، تضم متحفاً عسكرياً ومكتب تجنيد ومقراً لوزارة الأمن، أن ما يجري ليس له علاقة بالتبرير الإسرائيلي المعلن حول البعد الأمني، وإنما يتعلق في حقيقته بعملية مرسومة بدقة لإعادة هندسة الفضاء الجغرافي والسيادي للقدس المحتلة وفق رؤية استعمارية متكاملة.
وتكمن خطورة هذا القرار في عدة مستويات مترابطة، أولها البعد السياسي، إذ إن استهداف الأونروا يعني عملياً استهداف الشاهد الدولي الأبرز على قضية اللاجئين الفلسطينيين، حيث يمثل وجود الوكالة اعترافاً أممياً مستمراً بالنكبة وبحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة وفق قرارات الشرعية الدولية، ومن هنا، فإن تقويض وجودها في القدس يحمل دلالات سياسية تتعلق بمحاولة شطب هذا الملف من جذوره.
أما البعد القانوني، فهو أكثر خطورة وتعقيداً، لأن اقتحام مقر تابع للأمم المتحدة وهدم منشآته وتحويله إلى منشآت عسكرية يمثل سابقة غير مسبوقة في التعامل مع المؤسسات الدولية، حيث يمنح القانون الدولي، وخاصة اتفاقية امتيازات وحصانات الأمم المتحدة لعام 1946، مقرات الأمم المتحدة حصانة قانونية كاملة، ما يجعل أي استيلاء عليها بالقوة انتهاكاً مباشراً للمنظومة القانونية الدولية بأكملها.
الأخطر أن هذا السلوك يضع النظام الدولي أمام اختبار حقيقي؛ فإذا عجز المجتمع الدولي عن حماية مؤسسة أممية تعمل تحت مظلة الأمم المتحدة، فإن ذلك يفتح الباب أمام انهيار تدريجي لمفهوم الحصانة الدولية، ويشجع قوى أخرى حول العالم على التعامل مع المنظمات الدولية باعتبارها كيانات قابلة للاستهداف والابتزاز السياسي.
وفي السياق ذاته، فإن إقامة متحف لما يسمى "تراث الجيش الإسرائيلي" في موقع يرتبط تاريخياً بالوجود الفلسطيني، يعكس توجهاً واضحاً نحو إعادة صياغة الذاكرة الجمعية للمدينة، عبر فرض الرواية الإسرائيلية بالقوة العسكرية والرمزية معاً، وهو ما يعكس حقيقة العدوان الإسرائيلي الذي يحاول الجمع بين السيطرة على الأرض والسيطرة على التاريخ والرواية والوعي.
كما أن تخصيص الموقع لوزارة الأمن الإسرائيلية، وإنشاء مكاتب تجنيد عسكرية فيه، يرسخ عسكرة القدس المحتلة بصورة غير مسبوقة، ويحول أحد المقرات الإنسانية التابعة للأمم المتحدة إلى جزء من البنية الأمنية والعسكرية للاحتلال، بما يحمله ذلك من رسائل سياسية تتعلق بفرض السيادة الإسرائيلية الكاملة على المدينة المحتلة.
هذا التصعيد يأتي أيضاً ضمن سياق أوسع من السياسات الإسرائيلية الرامية إلى تفريغ القدس من أي حضور فلسطيني أو دولي مستقل، سواء عبر التضييق على المؤسسات التعليمية والصحية والحقوقية، أو من خلال تسريع عمليات التهويد والاستيطان وتغيير التركيبة الديمغرافية للمدينة.
إن استمرار الصمت الدولي تجاه هذه الإجراءات لا يهدد الفلسطينيين وحدهم، وإنما يهدد فكرة القانون الدولي نفسها، فحين تصبح قرارات الأمم المتحدة عاجزة عن حماية مؤسساتها، وحين تنتهك الحصانات الدولية دون مساءلة، فإن العالم يدخل مرحلة خطيرة من تآكل منظومة الشرعية الدولية لصالح منطق القوة المتغطرسة وفرض الأمر الواقع.
في ظل هذه
الاعتداءات الإسرائيلية، تبدو الحاجة ملحة لتحرك دولي جاد عبر تفعيل أدوات
المساءلة القانونية والسياسية، وإعادة الاعتبار لمكانة الأمم المتحدة
ومؤسساتها، لأن المسألة لم تعد تتعلق فقط بمقر للأونروا في الشيخ جراح، بل
بمستقبل النظام الدولي الذي يفترض أنه قائم على احترام القانون والحقوق
والمواثيق الدولية. ــ الراي