رجا طلب : "فخ ثوقيديدس"… صراع البقاء في القمة بين "واشنطن" وبكين!!
لم يكن استخدام الرئيس الصيني "شي جين بينغ" لمصطلح "فخ ثوقيديدس" خلال لقائه الأخير مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في بكين مجرد استدعاء عابر لمفهوم تاريخي قديم، بل كان رسالة سياسية شديدة العمق، تختصر طبيعة الصراع الذي يحكم العلاقة بين القوتين الأكبر في العالم اليوم، فالصين تدرك أن ما يجري بينها وبين الولايات المتحدة لم يعد مجرد خلاف تجاري أو تنافس اقتصادي، وإنما انتقال تدريجي نحو إعادة تشكيل النظام الدولي نفسه.
"وثوقيديدس" هو المؤرخ اليوناني الذي كتب قبل أكثر من ألفي عام عن الحرب التي اندلعت بين أثينا الصاعدة وإسبرطة المهيمنة، وخلص إلى عبارته الشهيرة: "إن صعود أثينا والخوف الذي زرعته في إسبرطة جعلا الحرب حتمية"، ومن هنا وُلد مصطلح "فخ ثوقيديدس"، الذي بات في العقود الأخيرة أحد أكثر المفاهيم تداولاً في أدبيات العلاقات الدولية للدلالة على خطر اندلاع مواجهة كبرى عندما تقترب قوة صاعدة من تهديد هيمنة قوة قائمة ومسيطرة، واليوم تبدو الصورة وكأنها إعادة إنتاج حديثة لذلك المشهد التاريخي، فالصين لم تعد مجرد مصنع للعالم أو قوة اقتصادية ناشئة، بل تحولت إلى مشروع دولي متكامل يمتلك أدوات النفوذ المالي والتكنولوجي والعسكري والجيوسياسي، أما الولايات المتحدة، التي قادت النظام العالمي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، فإنها تنظر بقلق متزايد إلى هذا الصعود الصيني المتسارع، باعتباره التحدي الأخطر لهيمنتها العالمية منذ انهيار الاتحاد السوفييتي. ومن هنا يمكن فهم دلالة حديث الزعيم الصيني "شي جين بينغ" عن "فخ ثوقيديدس" أمام ترامب في بكين، فالرجل لم يكن يشرح نظرية أكاديمية، بل كان يوجه تحذيراً مبطناً للإدارة الأميركية مفاده أن استمرار سياسة الاحتواء والتضييق الاقتصادي والعسكري على الصين قد يدفع العالم إلى مواجهة كبرى لا يريدها أحد، والرسالة الصينية هنا واضحة: بإمكان القوتين إدارة التنافس، لكن تحويله إلى صراع صفري سيقود إلى نتائج كارثية على النظام الدولي بأسره.
المشكلة الكبرى تتمثل في أن واشنطن، ورغم إدراكها لهذا الخطر، تبدو عاجزة عن التراجع الكامل عن منطق المواجهة، فهي لا تخشى قوة الصين الاقتصادية فقط، بل تخشى النموذج الصيني نفسه، نموذج الدولة المركزية القوية القادرة على تحقيق قفزات اقتصادية وتكنولوجية هائلة دون المرور بالقالب الغربي التقليدي، وهذا ما يجعل الصراع أعمق من مجرد منافسة على الأسواق أو الرسوم الجمركية أو أشباه الموصلات. وفي المقابل، فإن الصين تتعامل مع المرحلة بثقة متزايدة، لكنها في الوقت ذاته تحاول تفادي الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع أميركا، إدراكاً منها أن البيئة الدولية لم تنضج بعد لتحمل حرب كبرى بين قوتين نوويتين واقتصاديتين بهذا الحجم. لذلك تعتمد بكين استراتيجية "الصبر الحكيم"، وتعمل على توسيع نفوذها بهدوء عبر الاقتصاد والتكنولوجيا والطاقة والبنية التحتية والتحالفات التجارية، أكثر مما تعتمد على القوة العسكرية المباشرة.
غير أن أخطر ما في "فخ ثوقيديدس" ليس الحرب العسكرية التقليدية فقط، بل المناخ النفسي والسياسي الذي يسبقه، فعندما تبدأ القوة المهيمنة بالشعور بأن الزمن يعمل ضدها، تصبح أكثر ميلاً للمغامرة والتصعيد ومحاولة إبطاء صعود الخصم بأي وسيلة ممكنة، وهذا ما نشهده اليوم في ملفات تايوان، والذكاء الاصطناعي، والرقائق الإلكترونية، والحروب التجارية، وحتى إعادة تشكيل التحالفات العسكرية في آسيا والمحيط الهادئ.
إن العالم يقف اليوم
أمام لحظة تاريخية شديدة الحساسية؛ فإما أن تنجح واشنطن وبكين في إنتاج
صيغة جديدة لإدارة التنافس بينهما، وإما أن يسقط الطرفان في الفخ ذاته الذي
تحدث عنه "ثوقيديدس" قبل قرون طويلة. وفي الحالتين، يبدو واضحاً أن القرن
الحادي والعشرين لن يُكتب في واشنطن وحدها، وأن التنين الصيني بات شريكاً
إجبارياً في رسم ملامح النظام العالمي الجديد. ــ الراي
Rajatalab5@gmail.com