رنا حداد : عندما يصبح كل شخص «مشروع محتوى» !
الإنسان الحديث لم يعد يعيش حياته بل يدير حملته الإعلانية.
كل شخص بات يمتلك نسختين من نفسه: نسخة أصلية مرهقة، قلقة، صامتة أحيانًا، ومليئة بالتناقضات. ونسخة أخرى مخصصة للنشر فقط، تُضاء جيدًا، تُفلتر بعناية، وتعرف تمامًا أي زاوية تُخفي التعب وأي اقتباس يبدو عميقًا بما يكفي ليحصد الإعجابات.
ومع الوقت، بدأت أشعر أن العلاقات الإنسانية لم تعد تقوم على التعارف، بل على سوء الفهم المؤجل.
تتعرف على شخص عبر الإنترنت، فتنبهر بخفة ظله، بحساسيته، بثقافته، بطريقة كلامه عن الحياة وكأنه خرج لتوّه من كتاب فلسفي صغير يُباع بجانب الشموع المعطرة.
يحدثك عن السلام الداخلي، عن التصالح مع الذات، عن أهمية «الطاقة النظيفة»، ويضع صورة قهوته وكأنها إعلان عالمي للسعادة ثم تقابله.
فتكتشف أن هذا الإنسان لا يملك أي علاقة بذلك الكائن الإلكتروني اللطيف.
تجلس أمام شخص متوتر، صامت، ينظر حوله أكثر مما ينظر إليك، ويبدو منزعجًا من الحياة كلها بدءًا من الطقس وصولًا إلى صوت الملعقة داخل فنجان القهوة.
في تلك اللحظة تدرك أن وسائل التواصل لم تعد تعرض البشر بل «النسخة» التي يتمنون لو كانوا عليها.
الجميع هناك جميلون أكثر مما ينبغي، أذكى أكثر مما ينبغي، سعداء أكثر مما ينبغي، ومتزنين نفسيًا بطريقة تثير الشك لا الإعجاب.
أما الواقع، فهو أقل شاعرية بكثير.
الواقع يقول إن أغلب الناس بالكاد يستطيعون النجاة من أنفسهم. حتى العلاقات العاطفية أصبحت أشبه بعمليات تسويق محترفة. صور مدروسة، إضاءة مثالية، ابتسامات منتقاة بعناية، وزوايا تصوير تعمل ساعات إضافية لإخفاء الحقيقة.
اللقاء بالواقع، هنا تشعر وكأنك ضحية فرق شاسع بين الإعلان والمنتج النهائي.
ليس لأن الطرف الآخر سيئ بالضرورة بل لأنك اكتشفت أن الإنترنت بارع جدًا في صناعة الانطباعات، وسيئ جدًا في نقل الحقيقة.
المشكلة أن الجميع أصبح يمثل نسخة محسّنة من نفسه إلى درجة أنه نسي ملامحه الأصلية.
صرنا نخاف من العفوية، من الصمت، من الظهور كما نحن فعلًا. حتى الحزن لم يعد يُعاش بصدق، بل يُكتب تحته تعليق مناسب وستوري بأغنية هادئة.
وفي وسط كل هذا، أصبحت العلاقات أكثر هشاشة، لأنها تبدأ بصورة مثالية، ثم تصطدم لاحقًا بإنسان حقيقي.
إنسان يملّ، ويصمت، ويغضب، ويخاف، ويتناقض!.
لكننا لم نعد نعرف كيف نتقبل الحقيقة البشرية العادية بعدما أدمنّا النسخ المعدّلة منها.
ربما لهذا السبب يبدو كثير من الناس مرهقين رغم كل صور السعادة التي ينشرونها.
فالتمثيل المستمر متعب، والعيش داخل شخصية افتراضية يحتاج طاقة هائلة.
ما المطلوب منك؟ لا تكره الناس بسبب ذلك بل تتفهمهم قليلًا.
لأن هذا العالم أقنع الجميع بأن الحقيقة العادية لا تكفي، وأن الإنسان كي يُحَب، عليه أولًا أن يتحول إلى محتوى جذاب، وربما .. كذّاب.