الأخبار

م. هاشم نايل المجالي : الاختراق لا يُهزم إلا باليقظة

م. هاشم نايل المجالي : الاختراق لا يُهزم إلا باليقظة
أخبارنا :  

هناك أمراض لا تُعلن عن نفسها في جسم الإنسان في يومها الأول، ولا تدخل صارخةً قائلةً: هذا أنا، ولا يبدأ ذلك المرض بألمٍ فاضحٍ كالسرطان، إنما يعمل في صمتٍ وخفاء، وينقسم بصمت، وينتشر ويتمدد في المساحات الرخوة، حتى يصبح اكتشافه متأخراً أكثر من اللازم، ويكون بانتشاره في الجسم قد نال من الإنسان.

هكذا تفعل بعض المشاريع من الدول العظمى التي تتمدد ببرامجها الهدامة وأفكارها التي تعمل على تفكيك المجتمعات وسرطنة الأفكار والمعتقدات، وتبث سمومها في عقول شبابنا نحو الانحراف وهدم قيمهم الأخلاقية والدينية.

هذه البرامج والنشاطات والاتفاقيات والمشاريع تتغذى على هشاشة الوعي قبل هشاشة الحدود، إنه الاختراق الناعم الذي يبدأ بمفردات بريئة ومقنعة، إنه التحضر، وأنها ثقافة تواصل مع الغرب وتقارب بعادات غريبة عن مجتمعاتنا، وأن في ذلك مصالح مشتركة، ثم ما نلبث أن يكشف الواقع عن طبقة أعمق مما كنا نتصوره، صناعة مزاج وإعادة ترتيب الولاء لجهات دخيلة ذات أطماع سوداوية مدمرة للأوطان، وخلق بيئات حاضنة واستنزاف مناعة المجتمعات من داخلها.

لذلك علينا أن نفهم ونعي جيداً أن معركة الأوطان لا تُخاض دائماً عند الحدود، لكن ثم معارك أشد خطراً تُخاض داخل المجتمع، أينما كان، في العمل والجامعات والجمعيات والمراكز الثقافية والمنابر الإعلامية وشبكات التواصل الاجتماعي، لتحيد الجهات المسؤولة نفسها بعد سنوات من تفشي المرض الخبيث، إنها تدافع عن قلبها بعدما فرطت طويلاً في أطرافها الرخوة.

حينما تتسلل مشاريع النفوذ تحت شعار الثقافة لفتح بوابة ذهنية، وحينما تتحول منصات وتجمعات، حيث نجد أن القضية ليست كرماً عابراً، بل استثمار استعماري فكري طويل الأمد في اتجاهات الوعي والانتماء، حيث يُمنح البعض من الفاعلين بهذا الأمر هامشاً واسعاً للتحرك باسم الحقوق أو الخصوصية، حيث يُستغل هذا الهامش في بناء ولاءات تتجاوز حدود الدولة، فإن الخطأ ليس في الحرية ذاتها بل في الغفلة عن توظيفها ضد من منحها.

فعلى الجهات المعنية حماية المواطنين، خاصة شبابنا، من كثير من الأفكار التي أصبحت تسعى لانحرافهم في دينهم وفكرهم وعاداتهم نحو ولاءات خارجية لدول تسعى للهيمنة والسيطرة على المجتمعات كمرحلة أولية، ثم تتفشى في الجسم دون القدرة على مقاومتها إلا بالجراحة والأدوية الصعبة.

هؤلاء لا يريدون من هذا الوطن وذلك المواطن سوى إيجاد ثغرة للدخول إلى أعماقه، ليوسع دائرة الخصوصية ويمنح المشروع الخارجي التسلل تحت عناوين ومضامين مختلفة، فعلينا أن نعمل لإعادة المواطن دوماً إلى حضن وطنه، ويجعل الانتماء الوطني سقفاً أعلى من كل الولاءات والانتماءات الخارجية والفرعية.

مواضيع قد تهمك