الأخبار

القس سامر عازر يكتب : "لا أخشى التعبير بصوتٍ عالٍ عن رسالة الإنجيل"

القس سامر عازر يكتب : لا أخشى التعبير بصوتٍ عالٍ عن رسالة الإنجيل
أخبارنا :  

القس سامر عازر


في زمنٍ تتكاثر فيه الأصوات وتضيع فيه الحقيقة بين ضجيج المصالح وتنازع القوى، تبرز كلمة الحق كحاجةٍ ملحّة لا تحتمل التأجيل. ومن هنا تأتي العبارة التي أطلقها قداسة البابا لاون الرابع عشر، وهو على متن الطائرة البابوية متجها إلى الجزائر، في معرض تعليقه على تصريحات دونالد ترامب بحقه: "لا أخشى التعبير بصوتٍ عالٍ عن رسالة الإنجيل."

ليست هذه الكلمات مجرّد موقفٍ عابر، بل هي إعلانٌ صريح عن جوهر رسالة الكنيسة في عالمٍ مضطرب. فالعالم اليوم، المثقل بالحروب والانقسامات، يحتاج أكثر من أي وقتٍ مضى إلى صوت السلام وإيقاف الحروب والنزاعات، وإلى دعوةٍ صادقة للعدالة، وإلى تأكيدٍ ثابت على حرية الشعوب وحقّها في العيش الكريم.

إن صوت الإنجيل ليس صوتًا خافتًا أو هامشيًا، بل هو صوتٌ نبويّ، يتجاوز حدود الزمان والمكان، ليخاطب ضمير الإنسان في كل عصر. هو صوت يقف إلى جانب الضعيف، وينحاز إلى المظلوم، ويواسي المتألّم، ويرفض أن يكون الإيمان مجرّد طقسٍ منزوع التأثير عن واقع الحياة.

حين يقول البابا: "نحن لسنا سياسيين، ولسنا بصدد صياغة سياسات خارجية"، فهو لا ينسحب من الشأن العام، بل يعيد تصويبه. فالكنيسة لا تنافس الدول في سياساتها، لكنها تذكّرها بمعيارٍ أسمى: كرامة الإنسان. إنها لا تضع برامج حكم، لكنها تضع أمام العالم بوصلةً أخلاقية لا يجوز إغفالها.

إن عبارة "لا أخشى" تحمل في طيّاتها بُعدًا رسوليًا عميقًا، فهي تعكس شجاعة الإيمان الذي لا يساوم، ولا يخضع لرهبة السلطة أو ضغط الرأي العام. فالشهادة للحق، كما يقدّمها الإنجيل، ليست خيارًا ثانويًا، بل هي جوهر الدعوة المسيحية.

وفي قلب هذه الرسالة، تتردّد كلمات السيد المسيح: "طوبى لصانعي السلام". هذه ليست دعوةً مثالية بعيدة عن الواقع، بل هي مشروع حياة، ومسؤولية جماعية، ورسالة موجّهة لكل إنسان، لكي يكون صانع سلام في بيته، ومجتمعه، ووطنه، والعالم.

إن الجرأة في إعلان رسالة الإنجيل لا تعني المواجهة العدائية، بل تعني الثبات في المحبة، والإصرار على الحق، والعمل الدؤوب من أجل عالمٍ أكثر إنسانية. فالمسيحية، في جوهرها، ليست دين الخوف، بل دين الرجاء، وليست دين الصمت، بل دين الكلمة الحيّة التي تدعو إلى الوئام والسلام والحوار البنّاء.

اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، نحن بحاجة إلى أصواتٍ لا تخشى أن تقول الحقيقة، وإلى قلوبٍ تؤمن بأن السلام ليس ضعفًا، بل قوّة، وأن العدالة ليست شعارًا، بل حقًّا مقدسًا. وهنا تكمن عظمة رسالة الإنجيل: أن تكون نورًا في العتمة، وصوتًا لمن لا صوت لهم، ورجاءً في عالمٍ يبحث عن الخلاص.

فهل نجرؤ نحن أيضًا أن نرفع هذا الصوت؟

مواضيع قد تهمك