التكامل الاقتصادي العربي.. بيـن الـفـرص والـتـحـديــات
- هلا أبو حجلة، أنس الخصاونة
يؤكد جلالة الملك عبدالله الثاني في مختلف لقاءاته العربية والدولية أن التكامل الاقتصادي العربي بات ضرورة ملحّة في ظل التحديات العالمية المتسارعة، من تقلبات الأسواق وارتفاع كلف الطاقة والغذاء، إلى اضطرابات سلاسل التوريد.
ويشدد جلالته على أن المرحلة الحالية تتطلب الانتقال من إطار التعاون التقليدي إلى شراكات اقتصادية عميقة قائمة على المشاريع الإنتاجية المشتركة. ويبرز في الطرح الملكي أن الدول العربية تمتلك مقومات كبيرة - من موارد طبيعية وأسواق واسعة ورؤوس أموال - إلا أن الاستفادة منها تظل مرهونة بتعزيز التكامل وتوحيد الجهود، بما يسهم في تحقيق نمو اقتصادي مستدام وخلق فرص عمل. وأكد اقتصاديون لـ»الدستور» أن تعزيز الاعتماد المتبادل بين الاقتصادات العربية من شأنه تقليل التعرض للصدمات الخارجية، سواء كانت أزمات غذاء أو طاقة أو اضطرابات في سلاسل الإمداد العالمية، مؤكدين أن التكامل الاقتصادي «يشكل مظلة حماية جماعية للدول العربية في مواجهة التقلبات الاقتصادية الدولية». وأشاروا إلى أن الأردن قادر على تشكيل دور محوري في ربط أسواق المشرق العربي، وتسهيل تدفق السلع والخدمات والاستثمارات، بما يعزز من مكانته كمركز إقليمي للأعمال، ويخدم جهود التكامل الاقتصادي العربي الشامل.
وابدى الأردن على مدار العقود الماضية كل دعم لتحقيق التكامل الاقتصادي العربي بمختلف المجالات، وتعظيم الاستفادة من الموارد البشرية والطبيعية التي تزخر بها البلدان العربية، بما يسهم في زيادة مقدرة الوطن العربي على مواجهة التحديات، كذلك إقامة شراكات استثمارية تخدم الدول العربية ويدفعها للتعامل بفعالية مع المشكلات الأساسية التي تواجهها خاصة الفقر والبطالة.، وايضا في معالجة اختلال سلاسل التوريد حال حدوثها وتخفيف فاتورة الإستيراد. والأردن كان وما زال رائدا في المبادرات للوصول إلى الاتحاد الجمركي العربي ودعم تحفيز الاستثمار والتعاون المشترك.
ونشط الأردن في مجال النقل البري والبحري والجوي، وهناك اتفاقية الشراكة الصناعية التكاملية وكان للأردن دور رئيسي فيها، ويرتبط الأردن باتفاقيات ثنائية مع معظم البلدان العربية، ويولي اهتماما كبيرا في العلاقات الاقتصادية مع الدول العربية.
ومجموعة الدول العربية هي الشريك الأول في الاستيراد والتصدير، وأكد الأردن على الدوام حرصه على تعزيز الشراكات الاقتصادية العربية، وتوقيع اتفاقيات تعاون مشترك عبر مشاريع استراتيجية في مجالات الصناعة، الطاقة، والزراعة والربط الكهربائي والنقل.
تعزيز أمن الغذاء والطاقة
قال الخبير الاقتصادي موسى الساكت، إن فرص التكامل الاقتصادي العربي موجودة وواقعية لكنها تعتمد على التدرج في التنفيذ وبناء شراكات عملية بين الدول، لافتا الى أن أهم التحديات التي تحول دون ذلك تشمل القيود غير الجمركية، ضعف البنية التحتية، اختلاف التشريعات، والتحديات السياسية التي تعيق انسياب التجارة وبعض الأحيان اللجان غير المختصة.
ويرى الساكت أنه من الممكن أن يخفف التكامل من الأزمات العالمية حيث يعمل على تعزيز الأمن الغذائي والطاقة، وتقليل الاعتماد على الخارج، وزيادة من قدرة الدول العربية على مواجهة الصدمات الاقتصادية.
وأشار إلى إمكانية ترجمة الرؤية الملكية إلى واقع من خلال مشاريع صناعية مشتركة، وتوحيد الإجراءات، وربط البنية التحتية، وتعزيز دور القطاع الخاص في الاستثمار، خاصة وأن الأردن مؤهل ليكون مركزًا إقليميًا للتكامل بفضل موقعه واستقراره وخبرته في بناء الشراكات الاقتصادية.
ولدى سؤاله حول المعاملة بالمثل وإن كانت الحل المناسب دائماً، أشار الساكت الى أن المعاملة بالمثل ليست دائمًا الحل، بل قد تتحول إلى عائق يعرقل التعاون وفي بعض الأحيان تكون هي «العقدة في المنشار». المطلوب هو نهج مرن قائم على المصالح المشتركة لا ردود الفعل.
وترتكز الرؤية التي يقودها جلالة الملك على عدة محاور رئيسية، أبرزها، إزالة العوائق أمام التجارة البينية العربية وتسهيل انسياب السلع، تكامل سلاسل الإنتاج والتوريد بين الدول العربية، تعزيز الاستثمارات العربية المشتركة، خاصة في القطاعات الحيوية، وتطوير البنية التحتية الإقليمية في مجالات الطاقة والنقل.
وفيما يتعلق بمشاريع التعاون الاقتصادي بين الأردن والدول العربية، يبرز قطاع الطاقة بين الأردن والدول العربية، حيث يعمل الأردن على ترسيخ موقعه كمركز إقليمي للطاقة عبر مشاريع استراتيجية، من أهمها الربط الكهربائي الأردني – المصري – العراقي، الذي يتيح تبادل الطاقة الكهربائية ويعزز استقرار الشبكات tفضلا عن خط الغاز العربي، الذي يسهم في نقل الغاز الطبيعي بين عدة دول عربية وتعزيز أمن الطاقة، بالإضافة إلى مشروع أنبوب النفط العراقي – الأردني، الذي يهدف إلى تأمين مصادر الطاقة وتنويعها وخفض الكلف.
ويعزز الأردن موقعه كمركز لوجستي إقليمي يربط بين دول المشرق العربي من خلال تطوير الممرات التجارية مع العراق، خاصة عبر مركز حدود جابر، ما يسهم في زيادة التبادل التجاري و مشاريع الربط السككي العربي التي تهدف إلى خفض كلف النقل وزيادة كفاءة التجارة فضلا عن تعزيز دور ميناء العقبة كمحطة رئيسية لإعادة التصدير والخدمات اللوجستية.
وبالنسبة للأمن الغذائي، فانه وفي ظل التحديات العالمية المرتبطة بالغذاء، يركز الأردن على تعزيز التعاون العربي في هذا المجال عبر إقامة شراكات زراعية مع دول عربية لتأمين سلاسل الإمداد، بالإضافة الى الاستثمار في إنتاج الحبوب والأعلاف و تسهيل التبادل التجاري للمنتجات الزراعية بين الدول العربية. ويمضي الأردن نحو تعميق التعاون الاقتصادي والاستثماري والصناعي من خلال إنشاء مدن صناعية مشتركة، أبرزها المشروع الأردني–العراقي، وجذب الاستثمارات العربية إلى القطاعات الإنتاجية و دعم الصادرات الوطنية وفتح أسواق جديدة أمام المنتجات الأردنية.
التكامل الجزئي بداية لمسار أوسع
من جانبه، قال زيان زوانه المختص بالاقتصاد السياسي، إن التكامل العربي بات اليوم ضرورة خاصة مع أحداث المنطقة الحرب الدائرة في الإقليم لافتا إلى أن التكامل الجزئي يمكن أن يكون بديلا «الأردن وسورية والعراق ولبنان مثلا « ليتم توسعته مستقبلا بضم دول عربية أخرى.
كما يمكن أن يكون التكامل القطاعي بديلا ناجحا « كالكهرباء ومشاريع الربط « ، حيث طرحت الأزمة الإقليمية والعالمية الحالية ضرورة ذلك مثل مشروع تصدير النفط العراقي من العقبة، الذي أصبح ضرورة رابحة للبلدين، كما مشاريع الربط البري والسككي الذي يرفع تنافسية المجموعة العربيه ويعزز ربطها بالأسواق التركية والأوروبية، حيث يبقى القرار السياسي مربط الفرس لهذه المشاريع.
وعلى الرغم من التقدم في عدد من المشاريع، لا تزال هناك تحديات تعيق تحقيق التكامل الاقتصادي العربي، مثل اختلاف التشريعات، والقيود الجمركية، وضعف التنسيق المؤسسي، إلى جانب توترات سياسية في بعض الدول.
في المقابل، تبرز فرص كبيرة، تتمثل في وجود سوق عربية ضخمة، وموارد طبيعية متنوعة، وموقع جغرافي استراتيجي؛ ما يجعل من التكامل الاقتصادي خيارًا واقعيًا وقابلًا للتحقق.
وتعكس تأكيدات جلالة الملك عبدالله الثاني رؤية واضحة بأن مستقبل الاقتصادات العربية يقوم على التكامل لا التنافس، وأن الأردن، بفضل موقعه وعلاقاته الإقليمية، قادر على لعب دور محوري في تعزيز هذا التكامل.
ومع استمرار تنفيذ المشاريع المشتركة وتطوير البنية التحتية وتعزيز الشراكات، يتجه الأردن نحو ترسيخ مكانته كحلقة وصل اقتصادية بين الدول العربية، بما يدعم النمو والاستقرار الاقتصادي في المنطقة بأسرها.
تفعيل الاتفاقيات الاقتصادية العربية القائمة
أكد رئيس اتحاد رجال الأعمال العرب، حمدي الطباع، أن فرص تحقيق التكامل الاقتصادي العربي ما تزال قائمة وقوية، رغم ما تواجهه المنطقة من تحديات اقتصادية وجيوسياسية متصاعدة، مشدداً على أن الإرادة السياسية والبيئة التشريعية المناسبة تمثلان المفتاح الأساسي لتفعيل هذا التكامل على أرض الواقع.
وأوضح الطباع أن «الفرص ما تزال كبيرة إذا ما تم توحيد الجهود وتفعيل الاتفاقيات الاقتصادية العربية القائمة»، لافتاً إلى أن العالم العربي يمتلك مقومات سوق واسعة وموارد متنوعة يمكن أن تشكل قاعدة صلبة لتكامل اقتصادي فعّال.
وبيّن أن أبرز المعوقات التي لا تزال تعرقل زيادة التجارة البينية العربية تتمثل في تعدد الإجراءات الجمركية، وضعف الربط اللوجستي بين الدول العربية، واختلاف التشريعات الاقتصادية، إضافة إلى محدودية التكامل في سلاسل الإنتاج.
وأضاف أن معالجة هذه التحديات تتطلب «إرادة تنفيذية حقيقية لتسهيل حركة السلع والخدمات والاستثمار بين الدول العربية»، إلى جانب العمل على توحيد المعايير وتطوير البنية التحتية الداعمة للتجارة البينية.
وأشار الطباع إلى أن تعزيز الاعتماد المتبادل بين الاقتصادات العربية من شأنه تقليل التعرض للصدمات الخارجية، سواء كانت أزمات غذاء أو طاقة أو اضطرابات في سلاسل الإمداد العالمية، مؤكداً أن التكامل الاقتصادي «يشكل مظلة حماية جماعية للدول العربية في مواجهة التقلبات الاقتصادية الدولية».
وفي سياق متصل برؤية الملك عبدالله الثاني، قال الطباع إن التأكيدات الملكية المتكررة حول أهمية التكامل الاقتصادي العربي يجب أن تترجم إلى سياسات تنفيذية واضحة، تقوم على تفعيل الاتفاقيات، وتسهيل الاستثمار البيني، وإزالة العوائق أمام حركة التجارة، وتعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص، وأضاف أن «الرؤية الملكية تشكل إطاراً عملياً يمكن البناء عليه لتعزيز العمل العربي المشترك وتحويله إلى مشاريع اقتصادية ملموسة تسهم في خلق فرص العمل وتحفيز النمو».
كما أكد الطباع أن المملكة تمتلك مقومات تؤهلها لتكون محوراً إقليمياً لتعزيز التكامل الاقتصادي العربي، بفضل موقعها الجغرافي، واستقرارها السياسي، وبنيتها التشريعية المنفتحة على الاستثمار، إضافة إلى خبرتها في إدارة الشراكات الاقتصادية الإقليمية.
وأشار إلى أن الأردن يمكن أن يلعب دوراً محورياً في ربط أسواق المشرق العربي، وتسهيل تدفق السلع والخدمات والاستثمارات، بما يعزز من مكانته كمركز إقليمي للأعمال، ويخدم جهود التكامل الاقتصادي العربي الشامل.
دعم الأمان الاقتصادي للمواطن العربي
قال الخبير الاقتصادي حسام عايش إن دعوة جلال الملك عبدالله الثاني إلى تكامل اقتصادي عربي هي دعوة من قائد على دراية ومعرفة بأهمية هذا التكامل وتوجيهه في عملية اقتصادية سياسية أمنية استراتيجية تخدم الاستقرار ومستويات المعيشة والنمو الاقتصادي في العالم العربي وتوفر مصدرا هاما لتحسين مستويات المعيشة وبما ينعكس علي زيادة مستويات الأمان الاقتصادي للمواطن العربي بشكل عام ودافعة للاقتصاديات العربية وجعلها أكثر تشابكا فيما بينها؛ بما يؤدي إلى زيادة في درجة الاعتماد العربي على بعضه البعض.
وأضاف هذا سيودي إلى رفع حركة الأسواق العربية وزيادة التنسيق والتكامل الاقتصادي العربي؛ وبما يؤدي إلى تطوير منطقة التجارة الحرة العربية وجعلها أكثر فعالية في التكامل العربي، وأن يكون هناك شكل من أشكال الاتحاد الجمركي والذي يأخذ بعين الاعتبار بعض التباينات للقدرات الاقتصادية المختلفة للدول العربية وأيضا توطيد دعائم السوق العربية المشتركة وجعلها في مصاف الأسواق العاليمة.
وأضاف عايش أن هذا سيكون له تاثير كبير على أداء السوق وصولا إلى شكل من أشكال الاتحاد الاقتصادي المرن، بحيث يكون هدفه في النهاية شكلا من أشكال الاتحاد القريب من الاتحاد الأوروبي، وهذا يستدعي أيضا النظر إلى أن هناك مصلحة مشتركة وان يكون هناك تغيير للإجراءات التنظيمية وبعض السياسات المحلية، وأن تكون النظرة العربية لهذا التكامل نظرة موحدة لجهة العائد والفوائد في قطاعات مهمة كالطاقة والأرض والمياه والزراعة والموقع الاستراتيجي المتوسط للعالم.
وأيضا زياده حجم التجارة البينية وتقليل الاعتماد على الخارج بما يضمن انتاجا عربيا أكبر وأضخم يؤثر على وتيرة ومساقات وحركة التجارة العالمية؛ ما يؤدي إلى مزيد من فرص العمل التي نحتاج إليها الآن أو في المرحلة القادمة؛ بما يدعم القطاع الخاص في الدول العربية بحيث يكون لدينا قطاع خاص متكامل على مستويات عربية، وأيضا يعزز ويوطن الاستثمارات المتبادلة والمشتركة والاستراتيجية ويحول الاقتصاد إلى اقتصاد المعرفة والرقمنة والمبني على الذكاء الاصطناعي ويرفع الكفاء المالية ويحسن من الإنتاجية في المزايا الداخلية لكل دوله عربية.
ولفت إلى أن التكامل العربي سيرفع من حجم الناتج المحلي الإجمالي العربي الذي بلغ أكثر من 3,6 ترليون دولار في عام 2024 وربما اقترب من 4 ترليونات دولار في العام 2025؛ ما يضعه في الترتيب الخامس بين أكبر الاقتصاديات العالمية، مشيرا إلى أن التكامل العربي سيكون لاعبا اساسيا في المنظومة الاقتصادية العاليمة.
وأضاف عندما نتحدث عن دعوة جلالة الملك عبدالله الثاني في هذا المجال فاننا ننطلق من المخاطر التي أفرزتها الحرب في المنطقة والتي تجلت بإغلاق مضيق هرمز وربما باب المندب لاحقا؛ ما يعني أن التحوط يستدعي أشكالا من التكامل الاقتصادي العربي ليست لحظية وانما دائمة ومستمرة حيث أثبتت هذه المخاطر أن هناك مشكلات تتعلق بالطاقة والأمن الغذائي والنقل الجوي وبنوعية الاستثمارات التي يفترض أن نستهدفها عربيا من أجل تأمين وتحصين العالم العربي لأن يكون في خدمة بعضة البعض.
ونوه بأن منطلقات دعوة جلالة الملك مبنية على التداعيات التي أفرزتها الحرب المستمرة حتى الآن وأهمية استخلاص العبر والدروس من ذلك وأهمية البناء على ما أفرزته من مخاطر بردة فعل إيجابية نحو توطيد دعائم التكامل الاقتصادي العربي بما يعظم من العائد العام لجميع الدول العربيه ويركز على كيفية الاستفادة المتبادلة من القدرات والإمكانيات الاقتصادية اللوجستية والتقنية وإمكانيات المواقع الخاصة بكل دولة عربية ضمن منظومة الموقع الاستراتيجي العام للعالم العربي بما يخدم البلاد العربية ويؤدي إلى استدامة قدرتها على مواجهات التحديات والمخاطر، لافتا إلى أن التكامل الاقتصادي العربي سيرفع النمو الاقتصادي ويزيد من دخول الأفراد ويحسن العلاقات التجارية البينية ويزيد من فرص العمل داخل العالم العربي.
ــ الدستور