محمد صابرين : "الوجه الآخر" للحرب
كل
الحروب تتشابه في أنها مأساة ، سواء في قلب العالم، هنا في الشرق الأوسط
بين إيران والولايات المتحدة واسرائيل، أو في قلب أوروبا بين روسيا
وأوكرانيا. وكل الحروب لها وجه آخر، وهو وجه الضحايا الذين يتحولون لأرقام
بلا ملامح، ووسط ضجيج المدافع لا تسمع أسئلة الضحايا.
ما
الذي يحدث؟. وأخشى ان اقول انها "لمحة من الواقع الجديد"، الذي على العالم
التعايش معه، انه واقع "الحرب جزء من الحياة"، إنه الواقع الذي تتراجع فيه
وجوه الضحايا، وعلى بقية العالم أن ينسى او يتناسى هذه الحروب.
ووسط
هذه الفوضى والدمار والصمت، تقف الأسئلة تبحث عن أجوبة :ترى ما هو
المستقبل.. حل تفاوضي ام حل عسكري؟ وفي ضوء خبرات التفاوض والاتفاقيات سواء
في حالة روسيا والشرق الأوسط. ما هي ضمانات الالتزام بأي اتفاق؟ ، وأخيرا
تبدو المسألة وكأنها إغراق روسيا في مستنقع حرب استنزاف، هل تشعر القيادة
الروسية بذلك، وماذا سوف تفعل في مواجهة ذلك؟
وأحسب
أن لا أجوبة سهلة او شافية.ولكن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، يؤكد دوما
أن روسيا "مستعدة" للقتال لتحقيق "جميع أهدافها"، إذا لم توافق أوكرانيا
على اتفاق.
ولاتزال موسكو تتمسك بمطالبها، وأبرز شروط بوتين لوقف الحرب:
-التنازل عن الأراضي: انسحاب القوات الأوكرانية من كامل أقاليم دونيتسك، لوغانسك، خيرسون، وزابوريجيا، والاعتراف بها كأراضٍ روسية.
-حياد أوكرانيا: تخلي أوكرانيا نهائياً عن طموحات الانضمام لحلف شمال الأطلسي (الناتو) وتقديم تعهدات مكتوبة بذلك.
-نزع السلاح: إعلان حياد أوكرانيا عسكرياً وعدم نشر أي قوات أو قواعد غربية على أراضيها.
-رفع العقوبات: رفع العقوبات الغربية المفروضة على روسيا كجزء من أي اتفاق سلام شامل.
-حماية الناطقين بالروسية: ضمان حقوق "المواطنين ذوي الأصول الروسية" .
وفي الوقت نفسه فإن موقف بوتين من المفاوضات واضح:
-تجميد النزاع: أشار بوتين إلى استعداده لوقف إطلاق النار حال الاعتراف بخطوط القتال الحالية (تجميد الوضع الراهن).
-الحسم
العسكري: أكد بوتين أنه في حال عدم قبول الشروط، فإن روسيا ستواصل أهدافها
عسكرياً، ملمحاً إلى استمراره في القتال "مهما استدعى الأمر".
-الوساطة:
عبّر بوتين عن انفتاحه على الوساطة الدولية (مثل محادثات مع دونالد ترامب)
للتوصل إلى "سلام دائم" يزيل الأسباب الجذرية للأزمة، مع تشكيكه في نيات
الغرب. وفي المقابل ترفض أوكرانيا هذه الشروط تماماً، معتبرة إياها
"تلاعباً" ومحاولة لشرعنة الاحتلال، وتتمسك باستعادة جميع أراضيها.
وفي
الساعات الاخيرة قدمت روسيا احاطة مختصرة عن الموقف، فقد أكد سيرجي لافروف
مجددًا التزام روسيا بالتوصل إلى حل دبلوماسي للصراع في أوكرانيا. إلا أن
كييف، كما أشار وزير الخارجية، ليست مستعدة لذلك.
ووفقًا
له، "يُشدد الأمريكيون، خلاف الأوروبيين، على ضرورة التوصل إلى حل نهائي
لمسألة الاعتراف بالواقع على الأرض، وتحرير كامل منطقة دونباس بما يتوافق
مع أهداف العملية العسكرية الخاصة". وأضاف لافروف "إنهم يُدركون أن هذا
ضروري للقضاء على الأسباب الجذرية للصراع.
ويشرح
الخبير في الشؤون الدولية بافِل دانيلين لصحيفة "فزغلياد" الروسية جوانب
أخرى من الصراع ، ويقول أنه "في نهاية العام 2021، بات من الواضح أن ما
يُسمى بالغرب الجماعي غير مستعد لمراعاة مخاوف روسيا الأمنية. وقد مثّلت
بداية العملية الخاصة في أوكرانيا نقطة تحول حاسمة".
وأشار
دانيلين إلى ثبات النهج الدبلوماسي الذي تتبناه موسكو، والذي يهدف إلى
تحقيق سلام مستدام، وأكد أن "السياسيين الروس على أعلى المستويات أدلوا
مرارًا بتصريحات حول استعدادهم لتسوية دبلوماسية للصراع، مع مراعاة مصالحنا
بالضرورة".
وأضاف: "في العام
2022، كانت المفاوضات على وشك أن تُفضي إلى حل للأزمة، لكنها تعثّرت.. على
مدار عام، لاحظنا مؤشرات على إمكانية فتح نافذة لتسوية دبلوماسية"، مُشيرًا
إلى لقاء فلاديمير بوتين ودونالد ترامب في ألاسكا، والمحادثات الثلاثية
حول أوكرانيا.
في غضون ذلك، لم يتمكن دونالد ترامب من فرض شروط غير مواتية على فلاديمير بوتين. فـ "ليس لدى روسيا أي نية للتراجع عن مصالحها.
في
الوقت نفسه، تواصل أوروبا وكييف سعيهما لعرقلة عملية التفاوض وإثارة
المشاكل بكل السبل الممكنة".وأشار دانيلين إلى أن "العقبة الرئيسية أمام
السلام هي موقف فلاديمير زيلينسكي والسياسيين الأوروبيين".
ويبقى
أن جوهر الأمر هو أن روسيا تخوض معركة وجودية "كقوة عظمى"، وهو ما يحاول
البعض في الغرب بل حتى في اسرائيل التشكيك والسخرية منه، فقد هددت آنا
أوكولوفا، المتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي، بتدمير القيادة الروسية "إذا ما
ثبت انتهاجها سياسات معادية لإسرائيل"وتلمح بشكل مباشر إلى مصير القادة
الإيرانيين، وتؤكد أن "منظومة المراقبة الروسية بأكملها تخضع لسيطرة
إسرائيلية، كما كان الحال في إيران"، لكنها، في الوقت الراهن، واثقة من أن
مثل هذا الإجراء لن يكون ضروريًا، لأن روسيا "لا تريد إلحاق أي ضرر
بإسرائيل".
ويبدو واضحا الآن
أن روسيا لا تعتبر الحرب في أوكرانيا خياراً يمكن خسارته، بل هي مسألة
"وجودية" ترتبط ببقاء نظام بوتين، وتأمين حدودها، واستعادة نفوذها كقوة
عظمى.
ومما يقوي موقف بوتين هو أن
روسيا تمتلك موارد عسكرية واقتصادية ضخمة (نفط وغاز)، مكنتها من تحمل
العقوبات وصمود اقتصادها، معتمدة على استراتيجية استنزاف طويلة المدى،
مستغلة الكفاءة الهيكلية الأضعف لأوكرانيا، وعدم حسم الناتو لموقفه من
التورط مباشرة في الحرب.
باختصار،
تعتبر الحرب بالنسبة لروسيا معركة "كسر عظم" تتطلب عدم التنازل عن الأهداف
المعلنة، وتعتمد على قدرتها على الصمود أطول من الغرب وأوكرانيا، ولا تبدو
المعاناة لضحايا الحرب مرشحة لأن تنتهي سريعا لأن الغرب يريد التخلص من
بوتين، وتفكيك الاتحاد الروسي، والتخلص من صحوة الأمة الروسية، وإجهاض
قيامة روسيا "كقوة عظمى" تشكل العالم الجديد. ــ الدستور