الأخبار

عاطف أبوحجر يكتب : حكاية اللوز

عاطف أبوحجر يكتب : حكاية اللوز
أخبارنا :  

عاطف أبو حجر

يبدو أن العالم ينقسم إلى قسمين: قسم يتابع الأخبار السياسية بشغف وكأنه سيُستدعى لاتخاذ القرار، وقسم آخر أكثر حكمة… ينتظر موسم اللوز. وبين خبر عاجل لا يُسمن ولا يُغني، وحبة لوز خضراء تُشعرك أن الحياة ما زالت بخير، قررت أن أنحاز لما يُقرمش تحت الأسنان، لا لما يُنرفز على وسائل التواصل.

عشان هيك،
خلّينا السياسة لأصحابها، أولئك الذين يتجادلون ويختلفون على الشاشات، ويتفقون على المنسف، ويدحبرون ويتسامرون، خلّونا نعود إلى ما هو أصدق وأبسط: خيرات البلد. فهناك، بين شجر اللوز وأغصان الزيتون، لا مكان للخطب الرنانة ولا للوعود المؤجلة؛ بل طعم حامض لذيذ، وذاكرة لا تكذب، وضحكات أطفال كانت أصدق من كل نشرات الأخبار.

في مدينة السلط زمان، حين كنا أطفالًا صغارًا، كنا نقصد غرس زيتون فاعور في منطقة البقيع، وتحديدًا في منتصف شهر آذار، حين يبدأ موسم اللوز الأخضر. تكون الأشجار قد أزهرت ثم أثمرت، وتدلّت حبات اللوز الصغيرة، الخضراء، المقرمشة، كأنها عقود لؤلؤ نسيتها الطبيعة على عجل. هناك، كانت شجرتان عظيمتان من اللوز، أغصانهما تشق الأفق بثقة، وكأنهما تعلنان: "من أراد السعادة، فليصعد".

وكنا نتسلق… لا نعرف الخوف، ولا نؤمن بالجاذبية إلا حين نسقط. نتعريش بكل عزم ونشاط، نصل إلى القمة حيث تختبئ الحبات الكبيرة، تلك التي لم تصلها أيدي الصغار ولا عيون الكبار. هناك، في الأعلى، كنا نشعر أننا أبطال موسم اللوز، لا ينازعنا أحد.

ومن جذوع الأشجار، كانت تخرج قطع من الصمغ، تلمع تحت الشمس كأنها ماس حقيقي، فنأخذها بإجلال، لا لشيء إلا لأن شكلها يوحي بالثراء، ونحن كنا نحب التمثيل أكثر من الحقيقة. نأكل، ونطعم الجيران، وكأننا أصحاب بساتين مترامية، لا مجرد أطفال بسرعات تسلّق عالية وشهية مفتوحة.

ولم نكن نكتفي بالأكل، بل كنا نخطط للمستقبل، مستقبلٍ لا علاقة له بالبنوك ولا بالاقتصاد، بل بالتنشيف والتخزين لفصل الشتاء. كنا نؤمن أن حفنة لوز مجفف قد تنقذ يومًا باردًا، أكثر مما تنقذه قراراتٌ عاجلة لا تجد طريقها للتنفيذ.

وطبعًا، لا بد أن نُدخل "خبراء التغذية" على الخط، حتى يبدو حديثنا معاصرًا. يقولون إن اللوز الأخضر غني بالألياف، وفيتامين E، والبروتين، ويعزز صحة القلب ويخفض الكوليسترول. ونحن كنا نأكله لأنه "طيب"… لا أكثر ولا أقل. ومع ذلك، يبدو أننا كنا نسبقهم علميًا دون أن ندري!

كان لموسم اللوز طقوس تشبه الأعياد. يبدأ بتنوير الأشجار، بأزهار بيضاء وردية تُشبع القمر غيرةً، ثم بعد أسابيع قليلة، تتشكل الحبات وتكبر، وكأن الطبيعة تعدّ مفاجأة صغيرة لكل من ينتظر. حتى أعشاش الطيور على أشجار اللوز كانت مختلفة؛ البلابل،ونقار الخشب،والعصفور الطنان… كلها كانت تشاركنا الموسم، وكأنها تعرف أن اللوز ليس مجرد ثمرة، بل احتفال.

لكن، ولأن لكل حكاية جذرًا، لم تكن هذه الأشجار لتثمر كل هذا الخير لولا اهتمام والدي بها في الفصول الأربعة. كان يسقيها حين نعطش نحن، ويعتني بها حين ننشغل نحن باللعب. كان يعرف أن الخير لا يأتي صدفة، وأن اللوز الأخضر، بكل حموضته اللذيذة، هو نتيجة صبر طويل، لا ضجيج فيه.

وهكذا، بينما ينشغل البعض بتحليل المواقف وتبديل التصريحات، نبقى نحن أوفياء لشجرة لوز، لا تُخلف وعدها، ولا تغيّر مواقفها، تعطي كل عام، دون مؤتمر صحفي، ودون أن تطلب تصفيقًا.

فخلّوا السياسة لأصحابها… واتركوا لنا اللوز الأخضر، ففيه من الصدق ما يكفي، ومن الطعم ما يُغني.

مواضيع قد تهمك